
الاهتمام التركي بسوريا.. سقوط سلطة الشرع تهديد للأمن القومي لتركيا
مقدمة
منذ اندلاع الأزمة السورية قبل أكثر من عقد، لم يغب الملف السوري عن أجندة الدولة التركية. فأنقرة بحكم الجوار الجغرافي والتاريخي لا تنظر إلى ما يجري في سوريا كقضية خارجية بحتة، بل تعتبرها مسألة داخلية – أمنية وسياسية وإنسانية – ترتبط مباشرة بمستقبلها. تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وكبار المسؤولين الأتراك تكررت مراراً لتؤكد أمرين أساسيين:
1. دعم وحدة سوريا أرضاً وشعباً ورفض أي مشاريع تقسيم.
2. اعتبار استقرار سوريا عنصراً جوهرياً في استقرار الداخل التركي وحماية أمنه القومي.
لقد عانت تركيا خلال السنوات الماضية من تبعات الأزمة السورية بشكل مباشر: ملايين اللاجئين الذين لجأوا إلى أراضيها، العمليات الإرهابية التي استهدفت مدنها، محاولات القوى الانفصالية إقامة كيان مسلح على حدودها الجنوبية، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الهائلة التي رافقت كل ذلك.
من هنا، يصبح مفهوماً أن اهتمام تركيا بسوريا يتجاوز الدبلوماسية، فهو مرتبط بعمقها الأمني والتاريخي والإنساني.
الاختراقات الأمنية وخطر قسد والفلول
لكن ما يعقّد المشهد أكثر هو حالة الاختراق الأمني التي أصابت سوريا. لم يعد الصراع محصوراً بين الدولة السورية وبعض فصائل المعارضة، بل ظهر لاعبون جدد مدعومون من قوى كبرى.
– قسد (قوات سوريا الديمقراطية): وهي الذراع المحلية للمشروع الأمريكي في الشمال السوري. واشنطن دعمت هذه القوات عسكرياً ومالياً، بذريعة محاربة تنظيم داعش، لكن الهدف الحقيقي كان بناء كيان انفصالي على طول الحدود مع تركيا. هذا الكيان لا يهدد وحدة سوريا فقط، بل يخلق ثغرة خطيرة للأمن القومي التركي.
– الفلول المسلحة: بقايا جماعات متطرفة فقدت السيطرة على معظم الأراضي، لكنها ما زالت موجودة كأدوات لزعزعة الاستقرار. هذه المجموعات تتحرك وفق مصالح خارجية، وغالباً ما يتم استخدامها كورقة ضغط في لحظات معينة.
– مشروع الهجري وغيره: وهي محاولات لاستثمار الخصوصيات الطائفية أو العشائرية في بعض المناطق السورية، وتحويلها إلى مشاريع سياسية مرتبطة بأجندات خارجية، بعضها مدعوم بشكل مباشر أو غير مباشر من إسرائيل.
هذه القوى المتشابكة تشكل عملياً “ثورة مضادة للاستقرار”، هدفها ليس تحقيق الحرية أو العدالة للشعب السوري، بل تفكيك الدولة وتحويلها إلى أرض سائبة مفتوحة للتدخلات. تركيا ترى في ذلك خطراً مباشراً عليها: فوجود حزام انفصالي مسلح ومدعوم من قوى كبرى على حدودها يعني تهديداً دائماً لوحدة أراضيها نفسها.
الصراع بين مشروعين: الإسرائيلي والتركي
لفهم الصورة الكبرى، لا بد من النظر إلى ما يجري من زاوية استراتيجية. الشرق الأوسط اليوم يعيش صراعاً بين مشروعين أساسيين:
1. المشروع الإسرائيلي: الذي يقوم على تفتيت المنطقة العربية والإسلامية إلى كيانات صغيرة ضعيفة يسهل التحكم بها. إسرائيل لا تريد دولاً قوية أو متماسكة في محيطها، بل تسعى إلى إضعاف كل دولة قادرة على تشكيل تهديد سياسي أو عسكري أو اقتصادي لها. بالنسبة لها، سوريا الموحدة القوية هي خطر، وتركيا الصاعدة كذلك خطر. لذا تعمل عبر حلفائها الغربيين على إدامة الفوضى في سوريا ومنع أي تقارب تركي – عربي.
2. المشروع التركي: الذي يقوم على إعادة بناء النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني لأنقرة في المنطقة. تركيا لا تسعى إلى استعمار جيرانها، بل إلى خلق فضاء تعاون يضمن لها الأمن والاستقرار ويمنحها أسواقاً ومجالات نفوذ طبيعية. بعد إضعاف إيران نسبياً، باتت تركيا المنافس الأكبر لإسرائيل في الشرق الأوسط. مشروعها يقوم على التنمية، بناء البنية التحتية، التعاون التجاري، وتعزيز الاستقلال السياسي لدول المنطقة بعيداً عن الهيمنة الغربية.
هذا الصراع بين المشروعين يظهر بوضوح في الساحة السورية. فكل خطوة تركية نحو التفاهم مع دمشق أو نحو دعم وحدة الأراضي السورية تُقابل بعرقلة إسرائيلية – أمريكية. لأن نجاح تركيا في تثبيت نفوذها بسوريا يعني بداية انطلاقة أوسع نحو العالم العربي.
البعد الإنساني للأزمة السورية وتأثيرها على تركيا
لكن ما يجب ألا نغفل عنه هو البعد الإنساني. ملايين السوريين وجدوا في تركيا ملاذاً آمناً بعد أن تحولت بلادهم إلى ساحة حرب مفتوحة. أكثر من 3.5 مليون لاجئ يعيشون اليوم في تركيا، يحملون معهم آمال العودة وذكريات الحرب والدمار.
هذا الواقع خلق روابط إنسانية جديدة بين الشعبين. لم يعد السوري غريباً في المدن التركية، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية. الأطفال السوريون يدرسون في مدارس تركية، والعمال يساهمون في الاقتصاد، والعائلات تعيش جنباً إلى جنب مع الأتراك. ورغم التحديات والضغوط، فإن هذه التجربة تعكس حقيقة أن مصير الشعبين متشابك، وأن أي حل للأزمة السورية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار البعد الإنساني المشترك.
تركيا، من جانبها، لم تنظر إلى المسألة فقط كعبء، بل اعتبرتها مسؤولية أخلاقية وتاريخية. فهي تدرك أن إغلاق الحدود أو تجاهل المعاناة السورية كان سيؤدي إلى كوارث إنسانية أكبر، وربما إلى فوضى تمتد لداخلها.
مصلحة العرب وسوريا في التحالف مع تركيا
اليوم، وبعد أكثر من 13 عاماً من الحرب، يبدو أن العرب أمام مفترق طرق. فهل يستمرون في الارتهان للمشاريع الغربية والإسرائيلية التي لا تقدم لهم سوى التفتيت؟ أم يتجهون نحو بناء تحالف استراتيجي مع قوة إقليمية صاعدة مثل تركيا؟
الواقع يقول إن مصلحة العرب، وفي مقدمتهم سوريا، تكمن في الخيار الثاني. فتركيا أصبحت قوة اقتصادية تقارب الدخول إلى نادي العشر الكبار عالمياً. لديها صناعات دفاعية متقدمة، وقدرة على لعب دور سياسي فاعل، ورغبة في التعاون بدلاً من السيطرة.
تحالف سوري – تركي، مدعوم بعلاقات عربية أوسع، يمكن أن يشكل نقطة تحول تاريخية. فهو يعيد التوازن للمنطقة، ويمنح الشعوب فرصة لبناء مستقبل مستقل بعيداً عن الهيمنة. كما أنه يضع إسرائيل أمام معادلة صعبة: مواجهة محور يمتلك الإمكانيات الاقتصادية والعسكرية والبشرية ليكون نداً حقيقياً.
ما الذي يخيف إسرائيل؟
إسرائيل تدرك جيداً أن أي تقارب تركي – عربي، وخاصة مع سوريا، يعني نهاية مرحلة الهيمنة المنفردة. تركيا تملك موقعاً جغرافياً استراتيجياً، قوة سكانية كبيرة، واقتصاداً صاعداً، وهي عضو في حلف الناتو لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بقدرة على المناورة مع روسيا وإيران.
إذا أضيفت سوريا الموحدة إلى هذا المعادلة، فإن الطريق سيُفتح أمام تعاون أوسع يشمل العراق والأردن ومصر ودول الخليج. وهذا يعني ولادة “شرق أوسط جديد” لا تسيطر عليه إسرائيل ولا الغرب، بل تصوغه إرادة الشعوب. لذلك تحاول تل أبيب عرقلة أي خطوة نحو التفاهم التركي – السوري عبر دعم المشاريع الانفصالية وإبقاء الفوضى قائمة.
خاتمة
إن الاهتمام التركي بسوريا ليس مجرد سياسة عابرة، بل هو ضرورة استراتيجية نابعة من وعي تاريخي وجغرافي وأمني. سقوط سلطة الشرع في دمشق أو إضعافها لصالح قوى مرتبطة بمشاريع خارجية يعني تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي، وفتح الباب أمام إسرائيل لفرض مشروعها التفتيتي على المنطقة.
لكن في المقابل، فإن التعاون السوري – التركي، ومن ورائه العربي، قادر على إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بما يخدم شعوبها. إنه خيار صعب لكنه ممكن، خيار يحتاج إلى شجاعة سياسية وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.
الطريق نحو شرق أوسط أكثر استقراراً وعدلاً يمر عبر شراكة حقيقية بين أنقرة ودمشق، شراكة تعني أن الدماء التي سالت في السنوات الماضية لن تذهب هدراً، وأن معاناة الملايين يمكن أن تتحول إلى بداية جديدة. وهذا ما تخشاه إسرائيل بالدرجة الأولى، لأن ولادة تحالف تركي – عربي قوي يعني ببساطة أن زمن الهيمنة بدأ يتراجع.