
سوريا.. صراع البنى والمستقبل (2-3)
قال لي: تخيل بماذا أسر لي دكتور فلسفة ينتمي إلى الطائفة نفسها التي أنتمي إليها: “أنا لا أستطيع إلا أن أكون طائفياً”. من أين نشأت هذه الجبرية في أن يكون المرء طائفياً؟ كيف لم يستطع دكتور يعرف أفلاطون وأرسطو وابن سينا وابن رشد وماركس ويعلمهم أن يتحرر من وعيه المتعصب المتخلف في الانتماء؟ وهل يقود الانتماء إلى طائفة ما إلى عصبية طائفية بالضرورة؟ وما هي الوظيفة التي تقوم بها عصبية طائفية متعصبة؟
وشخص آخر منعه تعصبه القومي من أن يكون له شأن في عالم الفلسفة. وراح يُظهر تعصبه القومي في خطاب أيديولوجي مناهض للعرب.
أن يكون المرء منتمياً إلى طائفة تكونت عبر التاريخ فهذه حال معقولة، لكن التعصب الطائفي ليس الانتماء إلى طائفة، بل انتماء يقود إلى كره المختلف ويبني علاقة بتاريخ متخيل وسردية تلقي بالمسؤولية على هذا المختلف باضطهاد ما، ويتحول هذا الكره إلى حقد تاريخي يولد الرغبة بالانتقام والثأر.
فالطائفي الشيعي العلوي أو الدرزي أو الإسماعيلي لا يكره المسيحي المختلف، لأن المسيحي ليس آخر في سردية تلومه. إن الآخر المكروه هنا هو السني.
بالمقابل إن السني المتعصب لا يعيش سردية تتحدث عن مسؤولية الطوائف التاريخية في عذاباته، ولهذا فهو ليس كارهاً بحقد، بل ينظر بعين الإقلال من شأن الطوائف ويشك بانتمائها إلى الإسلام الصحيح، وينال في السردية الشعبية من كل ما يختلف عن السنّة بوصفهم يمثلون الدين الصحيح دون باطنية. إذاً الانتماء الطائفي لا يقود بالضرورة إلى تعصب طائفي.
وقس على ذلك فإن الانتماء القومي هو الآخر لا يقود حتماً إلى تعصب قومي.
فالتعصب القومي ليس حباً وفخراً بالانتماء القومي، بل كرهاً لقومية أخرى، وتخيل سردية قومية لا تنتمي إلى الواقع.
ولهذا فإن السؤال الأجدر في البحث عن جواب عنه هو: ما هي الشروط التي تحول الانتماء الطائفي والقومي إلى تعصب، إلى طائفية تنطوي على حقد وعنف؟ إلى قومية تؤسس وعيها على كره قومية أخرى.
ما الشروط التي تحول الدين إلى تعصب ديني والانتماء القومي إلى عنصرية قومية.
إن التعصب الطائفي ليس سوى التعبير الأيديولوجي الزائف لعصبية تسعى نحو السيطرة أو مسيطرة، أو مواجهة طائفية مع طائفة مسيطرة. وفي كل شر.
ولا شك عندي بأن فهم الشروط لا يعني تبرير هذه الواقعة الخطيرة، بل تسمح لنا بأن نفكر في العالم الذي يحول دون وجود هذه الكارثة.
الطائفية والعنصرية وما شابه ذلك داء وليس مرضاً عارضاً، ومن أهم عوارضه موت الخلايا الوطنية والإنسانية المسؤولة عن حماية الانتماء والعيش المشترك بين المختلفين.
وتزداد خطورة هذا الداء إذا توارثته اﻷجيال. أما إذا اشتعلت صراعات دموية بسببه فالشفاء منه يكون صعباً جداً.
ولهذا فلبنان منذ أول حرب أهلية عام 1860 وحتى الآن لم يتحول إلى وطن. فوجود سلطة ومظاهر دولة خارجية وبطاقة هوية وجواز سفر مع هوية انتماء طائفية قابلة للاشتعال في أية لحظة كل ذلك لا يعني وجود وطن.
وقس على ذلك الكارثة السورية التي تولدت من طائفية السلطة العسكرية الأمنية الإعلامية والتي خلقت التعصب لديها وضدها معاً. فأية أقلية لا تستطيع أن تحكم بالعنف إلا إذا ولدت لدى المنتمين إليها عصبية متعصبة. وباستمرار هذه العصبية المتعصبة فإنها تحول الوطن إلى خراب خفي سرعان ما ينفجر.
وأي سلطة دولة أو شبه دولة تميز بين مواطنيها في الحقوق والواجبات بعامة وبسبب الانتماء القومي بخاصة تخلق التربة الصالحة لنمو بذور التعصب القومي.
فالوطن وجود يحقق لساكنيه الأمن والحرية السياسية والاجتماعية والتساوي في الحقوق والواجبات.
إنه المواطن نفسه. ويخلق الشعور المشترك بهذا كله، أي إن الواقع يجب أن ينعكس في الشعور بالانتماء.
إذاً هناك تناقض شديد بين الطائفية والوطن، بين العنصرية والوطن. وكل كفاح إذا لم يتحرر من داء التعصب الطائفي والقومي لا يؤدي الى ولادة وطن.
الخطاب الطائفي خطاب خطير كخطورة الوقائع الطائفية. والخطاب التعصبي القومي هو الآخر كارثي. ومواجهة وقائع طائفية بمواقف طائفية مضادة مواجهة زائفة، كما أن مواجهة تعصب قومي بتعصب قومي آخر لا ينجب إلا الكوارث المجتمعية.
بل قل إن العنف الذي نشهده في بلادنا ليس إلا أحد وجوه التعصب.
تحمل الثورة – أية ثورة والحروب الأهلية وعصبيات السلطة – جميع الهويات على الظهور دون قدرة على التحجب. ذلك إن من شيمة المرحلة المتفجرة التي تشهد صراعاً وصراعاً دامياً أحياناً أن تفجر الهويات كلها، من الهوية الأيديولوجية إلى الهوية المناطقية والهوية الطائفية مروراً بالهوية القومية.
ومن فضائل الثورة السورية أنها كشفت الهوية ممارسة قولية وممارسة عملية وبخاصة هوية المثقفين.
أحصر اهتمامي في مقالتي هذه في نوعين من الهوية. الهوية النائمة والهوية المتخفية.
الهوية النائمة هي في الأصل هوية ضعيفة نوعاً ما، وإلا لما غفت أصلاً، وما كانت لتغفو إلا لأن هناك هوية أقوى قد احتلت المكانة الأرأس في الذات.
ففي لحظة من لحظات الوعي الأيديولوجي – السياسي بالعالم تنتصر الهوية الأيديولوجية والفكرية، فإما أن تصبح هوية دائمة قابلة للتجديد ويعبر عنها قولاً وفعلاً. فتنتصر على سواها من الهويات التي ورثتها الذات كالهوية اليسارية أو الهوية القومية العربية أو الهوية القومية السورية أو الهوية العلمانية أو الهوية الفلسفية، وإذا ما نظرنا إلى هذه الهوية عن طريق السلب فإنا نتحدث هنا عن هوية تنفي ما يتناقض معها داخل الذات نفسها.
فإذا كنت قومياً مثلاً فإنك – ولا شك – تنفي هوية طائفية وإقليمية إذ من المستحيل أن تجتمع هاتان الهويتان معاً. وإذا اجتمعت هويتان غير متناقضتين كالهوية القومية والهوية الوطنية فإن أحداهما (أحدهما) يجب أن تتفوق على أخرى سلوكاً على الأقل.
أو أن الهوية المنتصرة أيديولوجياً وفكرياً وفلسفياً هي منتصرة في حدود تراجع الهوية الأضيق إلى الخلف وعندها تغط بالنوم ولا تستيقظ إلا إذا جاءت ظروف حملتها على الاستيقاظ.
وعليه فاستيقاظها من حيث درجة نشاطها متوقف على الموقف نفسه وطبيعته، وهناك اختلاف بين استيقاظها لدى الفرد واستيقاظها لدى الجماعات.
فلقد مضى زمن طويل قبل أن تستيقظ الهوية الطائفية في المجتمع السوري، وقبل أن تنتقل من عفويتها الطبيعية إلى قصديتها السياسية كما نرى الآن. فالأيديولوجيا البعثية والناصرية والسورية القومية والشيوعية تقاسمت هوية السنة والعلويين والدروز والإسماعليين والمسيحيين ولم تستطع حركة الإخوان المسلمين أو حزب التحرير أن تحتل المكانة التي احتلتها الناصرية مثلاً.
وظلت الهوية السنية هوية بسيطة خارج حدود الممارسة السياسية والوعي الذاتي. وهذا حال هوية الأكثرية بعامة.
وقس على ذلك باقي الهويات السورية باستثناء الهوية الكردية التي لم تسمح لها ممارسات الأنظمة أن تتحول إلى هوية نائمة أصلاً.
غير أن شدة وعي الأقليات بهويتها أكثر من شدة وعي الأكثرية عموماً. وهذا يعود إلى بنية الجماعة النفسية.
فالشعور برغبة الحضور لدى الأقليات يولد لديها تضامناً قوياً من جهة ونزوعاً نحو تبني هوية جامعة والدعوة لها لتحقيق المساواة مع الأكثرية.
وفي كلا الحالين لا تحملها هويتها – من حيث المبدأ – على نزوع طائفي، ولكن هويتها متيقظة أكثر بسبب إحساسها بالاختلاف. وهذا أمر طبيعي.
ويجب الاعتراف أن الهوية السنية النائمة في سوريا لم تستيقظ إلا بعد زمن طويل من شعورها بالغبن التاريخي وعدم المساواة أمام السلطة الحاكمة التي احتكرت بشكل شبه كامل عنصر قوة الدولة: الجيش والأمن وما جر ذلك من توسع سلطتي الجيش والأمن ليشمل حياة المؤسسات جميعها.
والإشارة إلى هاتين الهوتين كان يتم سراً وعلانية أحياناً غير أن استيقاظ الهوية السنية وضع النظام في ورطة تاريخية لم يفكر بالخروج منها أبداً على المستوى السياسي والمجتمعي.
لم تكن تجربته مع العنف الإخواني وإرهاب الطليعة المقاتلة إلا عبر العنف والإرهاب نفسه. ولم يفكر بتجاوز الشروط التي أنتجت حالة العنف والإرهاب فبقي في ورطته التاريخية والتي وصلت أعلى درجاتها بأن وجد نفسه يخوض حرباً ضد الحركة الشعبية أولاً ثم ضد جيش من المقاتلين الذين قرروا تغير واقع الحال بالقوة.
في مقابل الهوية السنية والهويات الأخرى النائمة التي استيقظت على نحو نشط كانت تعمل على الأرض هوية متخفية لدى المثقفين بالأساس.
والفرق بين الهوية النائمة التي استيقظت والهوية المتخفية أن الأولى نامت بفعل غير إرادي واستيقظت بوصفها رد فعل فيما الثانية حاضرة في الوعي ومتخفية بفعل إرادي عبر قول غير طائفي وهنا تكمن الخطورة.
كانت الهوية المتخفية تمارس التقية عن عمد ولكنها في الوقت نفسه كانت سعيدة بانتمائها الطائفي.
ما إن قامت الثورة وصار لزاماً على جميع المثقفين بعامة أن يتخذوا الموقف سراً أو علانية ما عادت الهوية المتخفية قادرة على التخفي فأعلنت حقيقتها بوصفها جزء من النظام القاتل وذلك بحجة مواجهة المد الإسلامي الأصولي.
والحق أن لعنة السلطة لم تسمح لنمط من للهوية المتخفية إلا أن تعلن عن موقفها على نحو يدعو إلى القرف وبدل أن تقدم البديل السياسي العلماني – الديمقراطي – البديل الوحيد الذي ينقذ سوريا تاريخياً راحت تكيل الاتهامات للعلمانيين واليساريين والديمقراطيين الذين يدافعون عن المستقبل الديمقراطي – العلماني لسوريا بأنهم عادوا إلى سنيتهم أو مالوا إلى الحركات الإسلامية، أو عبروا عن أحقاد خفية. وكان سلاحهم في ذلك الشتيمة.
مع أن جميع اليساريين والقوميين والعلمانيين بمن فيهم من دخل السجون بذلوا جهوداً هائلة مع النظام لإخراجه من ورطته التاريخية ومساعدته على اتخاذ مشروع جديد للإنقاذ، ما من مثقف يساري ديمقراطي إلا وكان يدرك الخطر المحدق بسوريا المستقبل. وهؤلاء لم يكن لديهم أصلاً هوية نائمة، فيما كانت الهوية المتخفية تمارس نوعاً من الإلهاء والشطارة الزائفة والغباء التاريخي.
كان أصحاب الهوية المتخفية سعيدين بعلاقات القرابة وثقة السلطة مهما كانوا نقديين، بل ربما كانوا يدفعونهم للقيام بعملية نقد لاكتساب شرعية ما.
كانوا يتطاولون على مديريهم ورؤسائهم بكل فجور، ويعتبرون ذلك شجاعة، ويتحدثون عن ذلك في مجالسهم.
لم يكن يدر في خلدهم أن المدير والمسؤول الذي استيقظت هويته النائمة ينتظر اللحظة ليحولها إلى هوية مقاتلة. وإن وراء الخنوع حقد يغلي. بالمقابل فإن الهوية السنية المتخفية راحت تعلن عن نفسها بنوع من الحقد القاتل كي تنتقم من إخفائها.
هل هناك من خطر لاحق ليقظة الهوية النائمة وانكشاف الهوية المتخفية؟.
نعم هناك خطر وخطر كبير. فالهوية المتخفية والمستيقظة بعد أن تحولتا إلى هويتين مقاتلتين فإن فكرة التسامح لديهما ستضعف لزمن ليس قصيراً، الهوية المنكشفة بعد الخفاء عزلت نفسها عن أن تكون جزء من قوى المستقبل.
والحق أن الهوية المستيقظة – بوصفها هوية ضعيفة – ستعود إلى حالها النائمة وقد تنتصر لديها مرة أخرى الهوية الكلية وهي وحدها – أي الهوية الكلية – المواطنة – الدولة الديمقراطية العلمانية ستحرر الهوية المتخفية من إرثها السيئ وستحول دون يقظة الهوية النائمة.
إن أخطر ما يواجهه المجتمع – أي مجتمع – هو صراع الهويات ولاسيما صراع الهويات الدامي، وليس هناك إلا حل واحد وحيد ألا وهو قيام الدولة الديمقراطية المدنية العلمانية التي تحوّل جميع الهويات إلى هوية وطنية وتجعل من ثقافاتها ثراءً يغني الحياة.