
الدولة والمجتمع، معادلة البقاء في الممر الضيق
في عالم السياسة المعاصرة، تتكرر الأسئلة حول سر نشوء الدول القوية والمجتمعات المزدهرة، فهل يكفي وجود سلطة مركزية قوية؟ أم أن الحل يكمن في مجتمع يقظ يحد من تغول الدولة؟
كتاب الممر الضيق لأسموغلو وروبنسون (Acemoglu, Daron, and James A. Robinson. The Narrow Corridor: States, Societies, and the Fate of Liberty. Penguin Press, 2019) يقدم إجابة مغايرة، تقوم على مفهوم بسيط وعميق يتجلى في أن الدولة القوية لا تولد إلا من رحم التوازن الصعب بين قوة الدولة وقوة المجتمع، وهو ما أطلق عليه المؤلفان الممر الضيق.
الممر الضيق هو مسار هش، يصعب على الدول والمجتمعات ولوجه، في أحد طرفيه، نجد غياب الدولة وانتشار الفوضى، حيث تهيمن العشائر والقبائل على المشهد السياسي (الكل يقتل الكل حسب تعبير توماس هوبز). وفي الطرف الآخر، دولة متغولة تتحول إلى وحش يلتهم المجتمع ويقضي على قدرته في المراقبة والمساءلة، فوحده التوازن بين هذين القطبين يتيح مساراً مستداماً نحو الحرية والازدهار.
يرى أسموغلو وروبنسون أن المجتمع القوي وحده لا يكفي، تماماً كما أن الدولة القوية وحدها لا تكفي، فالمجتمعات التي امتلكت حيوية سياسية لكنها افتقرت إلى مؤسسات مركزية صلبة ظلت أسيرة الانقسامات والحروب الأهلية، والعكس صحيح، فالدول التي بنت أجهزة بيروقراطية من دون وجود قوة مجتمعية مقابلة تحولت إلى أنظمة استبدادية تقتل الإبداع والمبادرة.
جوهر الممر الضيق يكمن في أن الدولة يجب أن تكون قوية بما يكفي لتفرض النظام وتؤمن الحقوق، لكنها مقيدة بما يكفي ليمنعها المجتمع من الانزلاق نحو الاستبداد، هذا التفاعل المستمر هو ما يميز التجارب الناجحة عن تلك الفاشلة، فأوروبا الحديثة تقدم الدليل الأبرز على صعوبة هذا المسار فعلى مدى قرون، كانت القارة تعيش تحت إرثين متناقضين الإمبراطورية الرومانية ببيروقراطيتها المركزية القوية، والقبائل الجرمانية التي ورثت تقاليد الحكم الذاتي والمجالس المحلية، هذا التداخل بين سلطة الدولة المركزية والتقاليد المجتمعية مهد لخلق دينامية خاصة قادت لظهور الدول الحديثة.
لم يكن الطريق سهلاً، حروب دينية، نزاعات إقطاعية، وصراعات الملوك مع البرلمانات كانت محطات دامية في سبيل بناء التوازن المطلوب، لكن مع الزمن، نجحت بعض الدول مثل إنجلترا وفرنسا في إقامة هذا التوازن الدقيق، لتصبح أوروبا نموذجًا على قدرة المجتمعات في ترويض الدولة وتحويلها من قوة متغولة (الليفياثان عند هوبز) إلى شريك في مشروع الحرية.
غياب هذا التوازن يفسر إخفاقات مناطق واسعة من الشرق الأوسط وإفريقيا، حيث لم تنشأ تقاليد مؤسساتية تضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع، إما أن الدولة كانت ضعيفة وعاجزة، أو تحولت إلى سلطة مطلقة تهيمن على كل مفاصل الحياة العامة، هذه الحلقة المفرغة من الاستبداد والانهيار ما تزال تحاصر الكثير من البلدان، وتمنعها من دخول الممر الضيق.
بحيث يبقى الممر الضيق تذكيراً بأن الدولة القوية والمجتمع الفعّال لا يمكن أن يظهرا إلا معاً، في توازن دقيق يستحيل فرضه بالقوة وحدها، فالتاريخ يعلّمنا أن النجاح لا يأتي من دولة بلا مجتمع، ولا من مجتمع بلا دولة، بل من الانسجام بين الاثنين، وهو درس صالح لكل تجربة بشرية، سواء في أوروبا أو في أي مكان آخر.