خمسة ثوابت رئيسية للسياسة الأمريكية في سوريا

0

لم تكن علاقات سوريا مع الولايات المتحدة طبيعية منذ أن بدأ الاصطفاف العالمي في محورين بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كان المحور الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة داعماً بالمطلق لإنشاء ورعاية الكيان الإسرائيلي، وبالتالي كان طبيعياً أن تكون الدول العربية (بشكل عام مع بعض الاستثناءات) في المحور الآخر، وكان حينها المحور الشرقي بزعامة الاتحاد السوفييتي.

بدأ الانحياز السوري إلى موسكو منتصف الخمسينات بقيادة رئيس الوزراء السوري خالد العظم، وتجسّد أكثر في المدّ الناصري الذي أثمر عن دولة الوحدة، ثم كان انحيازاً واضحاً بعد انقلاب البعث 1963، وكان الصراع بين حافظ الأسد وصلاح جديد على من هو الأكثر راديكالية في الانحياز لليسار العالمي.

صنّفت الولايات المتحدة نظام حافظ الأسد كدولة مارقة، ويبدو أنّ هذا التصنيف أسعد نظام الأسد وتعايش معه، وبقي هذا السياق من العلاقة إلى أن سقط بشار الأسد. وكانت سوريا من “الأعدقاء”، حيث يمكن لواشنطن التعامل معها في ملفات محدّدة والصدام في أخرى. وقد بدأت العقوبات الأمريكية على نظام الأسد بأشكال وأحجام مختلفة منذ 1979، وكانت في ذروتها عند سقوط بشار الأسد، وبلغ مجموعها أقل من ثلاثة آلاف عقوبة بقليل.

لا شكّ أنّ الولايات المتحدة تموضعت بعد انطلاق الثورة السورية في الجهة المناهضة للنظام بأشكال مختلفة، وإن كان تموضعها هذا لم يرضِ المعارضة السورية. وبالتأكيد، لو لم يكن هذا هو الموقف الأمريكي لحسم النظام معركته باكراً مع قوى الثورة، لأنّ كل أشكال الدعم العسكري والسياسي والإنساني للثورة ما كانت لتتمّ (ولو بحدودها الدنيا) دون موافقة رسمية من واشنطن.

وأدّت العقوبات الأمريكية دورها في عزل النظام وإنهاك قواه، وساعدتها أيضاً عقلية نظام الأسد التي اعتقدت أنّ هذا النظام مرعيّ من إسرائيل ومطلوب استمراره. وأخطأ الأسد خطيئته الكبرى عندما لم يُدرك أنّ الولايات المتحدة لن تُسقطه بأيديها، ولكنها لن تحول دون ذلك إذا ما تمّ إسقاطه بطريقة أخرى. وهو ما حصل بالفعل في الـ 11 يوماً العاصفة في التاريخ السوري عندما كلّلت هيئة تحرير الشام والفصائل العسكرية المشاركة معها عملية ردع العدوان، ولم توقفها إلّا بسقوط النظام الهشّ والمتعفّن والمتكبّر.

واجهت الولايات المتحدة في 9 كانون الأول 2024 حالة لم تألفها منذ ستة عقود، حيث إنّ من أسقط الأسد هو مجموعة مناقضة تماماً للنظام السابق، وبوصولها منفردةً إلى دمشق أسقطت معها الخطة الدولية التي كانت موضوعة لإدارة الأزمة السورية وتحقيق حلّ ما عبرها أو تحت سقفها، والمقصود هو القرار الدولي 2254 الذي كانت بوصلته وجوهره بأن لا حلّ عسكرياً للصراع في سوريا بل التفاهم وفق مخرجات ذلك القرار. ولكن ما حصل كان نقيض ذلك القرار، إذ تمت الإطاحة بأحد طرفيه، وبالتالي حصل الحسم العسكري وأصبح أمراً واقعاً، وعلى الولايات المتحدة صياغة استراتيجيتها في الملف السوري بسرعة ووفقاً للمعطيات على الأرض.

لم يكن أحد (ومنهم الولايات المتحدة) يتوقع انهيار هذا النظام بل تبخره وغيابه عن الوجود، وأنه أصبح جزءاً من الماضي لا يوجد له أيّ أثر حقيقي في الحاضر، ولن يكون له ذلك في المستقبل.

تعرف واشنطن هيئة تحرير الشام عن بُعد، ونعلم أنّ عمليات للتحالف الدولي كانت تجري في مناطق سيطرتها وبتنسيق تركي أيضاً، ولكنه (إن كان موجوداً) فهو تعاون أمني بوساطة طرف ثالث، ولا يرقى لأيّ مستوى من مستويات العلاقة، إذ إنّ تصنيفات واشنطن للهيئة وبعض قادتها تُحرّم وتُجرّم أيّ لقاء أو تعاون معها.

كان الموقف التركي والسعودي والقطري من التغيير الذي حدث في دمشق جوهرياً في إحداث الانقلاب التاريخي في الموقف الأمريكي من العهد الجديد في سوريا، فتلك الدول التي ضمنت سياسات العهد، وسترعى التحولات الجيوسياسية التي أحدثها بإسقاط نظام الأسد، هي من أقرب الحلفاء للولايات المتحدة. وقد تعهدت لواشنطن بذلك، وستتحمل المسؤولية أمامها، ولن يتمّ تحميل الولايات المتحدة أيّ مسؤولية في حالة الفشل (إن حصل). والمطلوب الآن منها مخالفة الرغبات الإسرائيلية واللوبي الصهيوني في واشنطن، حيث مطلوب منها رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا لتأسيس تعافيها الاقتصادي ودعمها سياسياً، وذلك لإتاحة الفرصة لها للخروج من تحت الرماد. وهو ما حصل فعلاً عند زيارة الرئيس ترامب للمملكة العربية السعودية وخطابه التاريخي بحضور الأمير محمد بن سلمان، ثم توقيعه على الأمر التنفيذي بإلغاء كل العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا.

تمّت ترجمة المواقف الأمريكية على الأرض عبر دعم أمريكي كبير، بدأ بتعيين مبعوث رئاسي أمريكي خاص لسوريا (من الوزن الثقيل)، حيث يتواجد توماس براك في دمشق أكثر من تواجده في أنقرة، وهو يقوم بإظهار الدعم الأمريكي للاستثمار في سوريا واعتبارها بيئة آمنة ومستقرة. كما يتواجد في كل الاتفاقيات الكبرى لتوقيع العقود الكبيرة، ويُطري على الجهات التي تُقدِم على تلك الخطوة ويُشجّعها ويعطيها الطمأنينة من إرهاصات اللوبي الإسرائيلي اليائسة في الكونغرس لإبقاء بعض العقوبات لفترة قادمة.

كما أنّ المبعوث الرئاسي الأمريكي يتدخل إلى جانب الحكومة في حلحلة العقبات التي تظهر في طريقها، ومن أهمها تفكيك براغي ميليشيا قسد، والدخول وسيطاً في النزاع مع العدو الإسرائيلي ومحاولته نزع فتيل أيّ توتر أو أزمة مع إسرائيل. كما أنّ دخوله الإيجابي على خط الأزمة في السويداء ظاهر بتواجده في اجتماعي عمّان لتهدئة اللهب وإبعاد الأيادي الإسرائيلية عن العبث بالأمن السوري. وهو يعبر بذلك عن دعم أمريكي لدمشق مع الحرص على توجيه نصائح لها، وليس شروطاً أو طلبات على طريقة تعاملها في الملف الداخلي السوري.

من ثوابت السياسة الأمريكية في سوريا

  1. لا تستطيع واشنطن تحمّل ظهور تنظيم داعش من جديد في سوريا والعراق، وهي التي ألقت بثقلها للقضاء عليه وقادت تحالفاً دولياً كبيراً، واعتمدت على الأرض مرغمةً قوى لا تنسجم معها، وهي ميليشيات حزب العمال الكردستاني التركي في سوريا وميليشيا الحشد الشيعي في العراق.
  2. وتهدف الولايات المتحدة من وراء رفع العقوبات الاقتصادية عن الحكومة الانتقالية إلى إنجاحها اقتصادياً، وذلك لتجفيف منابع الإرهاب التي يستغلها داعش، وتوفير المال لتنظيم وتدريب قوات الأمن والجيش السورية لتكون بكفاءة عالية لمواجهة هذه الأخطار.
  3. شكّل انتصار الثورة السورية هزيمة كبرى لمحور ولاية الفقيه وضربه في مقتله، مما أضعفه كثيراً. وتموضع حكم سوري سني في سوريا عدوّ نوعي للهلال الشيعي. ولن تستسلم إيران لخسارتها الكبرى، وهي بالتأكيد ستحاول العودة إلى سوريا، وإن لم تتمكن من ذلك فإنها لن تكفّ عن الانتقام والثأر لهزيمتها بخلق القلاقل في وجه الحكومة السورية.
  4. هزيمة إيران في سوريا مكسب استراتيجي للولايات المتحدة ومحورها، ودعم الحكومة السورية سياسياً ومالياً سيمكّنها من مقاومة الأطماع الإيرانية.
  5. يهمّ كثيراً الولايات المتحدة أمن إسرائيل كما تراه هي وليس كما تراه إسرائيل. وترى الولايات المتحدة أنّ الأمن الإسرائيلي يتحقق بقيام دولة سورية متماسكة مركزية لها حكومة واحدة وجيش واحد، بمعنى تعارض واشنطن علناً كل أنواع التقسيم تحت عناوين برّاقة، وتعارض وجود أيّ ميليشيات. بحيث يكون لسوريا رأس واحد وعاصمة واحدة يمكنها التفاهم معها. وأظنّ أنّ خط هدنة 1974 وتحديثه قليلاً يُعتبر أمراً واقعياً، إضافة إلى منع تواجد منظمات محسوبة على المحور الإيراني في سوريا تُجاهر بالعداء لإسرائيل، وعدم توجه الحكومة السورية لرعاية أيّ تيار سوري جهادي يضع من أولوياته التدخل بالشأن الفلسطيني، وحصر العلاقة مع العدو الإسرائيلي بجهة الدولة فقط.
  6. ترغب الولايات المتحدة بأن يعلم الجميع أنها دولة غير عقائدية ولا مكان للأيديولوجيا في استراتيجيتها، فهي لا تعادي ديناً بعينه أو مذهباً منه، بل تحارب من يقف في وجه مصالحها. وها هو الرئيس الشرع ومجموعته التي قادت الثورة السورية إلى النصر رُفعت عنها كل عقوباتها وتصنيفاتها اتجاهها، وتُعتبر مشروع حليف محتمل. والنموذج السوري بصداقة العهد الجديد ممكن أن ينسحب على من يعتبرون أنفسهم أعداء للولايات المتحدة.
  7. لا تريد الولايات المتحدة أن تلعب دور شرطي العالم، فهي تُفكّك نظام العولمة الذي أنشأته بنفسها، وليس من أجنداتها تصدير نموذجها إلى العالم. فالطريق إلى الديمقراطية واضح، والشعوب التي تريد السير عليه لن تضع عراقيل أو مطبات في وجهه، بل يمكن أن تساعدها. لذلك لن تتدخل الولايات المتحدة في قلب أنظمة أو دعم ثورات أو انقلابات أو مطالب انفصالية. وفي سوريا تُسدي النصائح للحكومة السورية ولا تضع عليها شروطاً للتعامل مع المكوّنات (الأقليات). ولها تجارب فاشلة عندما تبنّت تصدير نموذجها أو التدخل في ترتيب الحكم في بعض الدول، فهي فشلت في ليبيا وانتهى مشروعها بمقتل السفير الأمريكي. أما أنموذجها في العراق فقد كان فاشلاً على كل الأصعدة، وينطبق نفس الوصف على جهود عشرين عاماً في أفغانستان، عندما اضطرت لتسليم السلطة لعدوها اللدود طالبان، وعدم تمكنها من بناء نموذج بديل عنه رغم الجهود التي بذلتها.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني