رسائل سميدعية

0

لقد طرقت أسماعنا من قبل عبارات خافقة رقراقة مثل: رسائل شوق أو رسائل الحمام الزاجل، وأخرى ثاقبة مثل رسالة الغفران، وهناك رسائل رزينة وثمينة مثل رسالات الدكتوراه، والماجستير.

ولا شك أن هناك رسائل هامّة وموثّقة بين الملوك والرؤساء، ولكن السوريين ابتدعوا واستنبطوا واكتشفوا رسائل تفوق كلَّ ما سبقها من رسائل!

تفوقها بالشكل والمضمون وبالأسلوب والبيان وبالأهمية والأثمان! وما هي هذه الرسائل النوعية والاستثنائية؟ إنها رسائل سميدعية.

حيث يقف السوريون أمام مشهدٍ حقيقيٍ من صورة أو شريط من الصور (ما يسمى فيلم أو فيديو)، أو مشهد حُكْمي أو متخيَّل من مقال أو تصريح ما، يحلُلون الصورة – سورياليّاً وتجريديّاً وتكعيبيّاً… إلى آخر ما هنالك من مدارس ومذاهب، كما ويراعون البعد الثالث وبالحاسّة السادسة.

وأمام كل مشهد أوبّرالي تندلق السفسطات الفاقعة حيث تنهال الأسئلة: ماهي الرسالة من هذا المشهد، وخاصة من هذه الحركة اللمّاحة، وهذه العبارة الألمعية؟ فتنساب الأجوبة الشافية،

فأحد الاشخاص ظهر يتناول طعامه، وقال أو ربما قيل إنه يتناول وجبة الغداء، فانفجرت الأسئلة الذكية: هذا ليس عبثاً فما هي الرسالة؟ فجاءت الأجوبة متطابقة: إنه يبعث برسالة صارمة مفادها أنني سوف أتغدّى بكم أيها الأعداء قبل أن تتعشوا بي.

شخص ظهر وهو يأكل يتناول وجبة سريعة من (كنتاكي) فاستنفر المحللون وجهابذة النقد بكل قواهم التحليلية والتركيبة، وقد توافقوا وخلصوا إلى القول: إن هذا يعني وبلا ريب يعني تهديداً للولايات المتحدة الأمريكية بقضم إحدى ولاياتها.

وقال أحد العباقرة: نعم وإن هذا مشابه لما قام به الرئيس فلان ردّا على الضغوط الأمريكية حيث جعل حينئذٍ موكبه الرسمي من سيارات من طراز (كاديلاك) الأمريكية وكانت هذه رسالة صاعقة للأمريكان مفادها أننا سنقيم مصانع للسيارات وسوف يؤدي ذلك لإخراج مصانع السيارات الأمريكية من السوق العالمية. وفعلاً لقد حقّق تهديده.

وهنا تدخل أحد المؤرخين فقال: هذا تماماً كما القائد (XL) عندما أصرَّ على الظهور وهو يتناول العشاء وحرص على أن يظهر بأن العشاء من الأطعمة الإيطالية (اسباكيتي – معكرونة – وبيتزا بحجم صغير) وتعلمون أن هذه الرسالة قد نتج عنها سقوط روما وصعود بيزنطة بديلاً عنها.

فقال أحد البسطاء: ولكن زمن سقوط روما لم يكن الاسباكيتي موجوداً ولم يكن الطليان يعرفون البيتزا، فصرخ جمعٌ غفير من العلماء: اصمت أنت لا تعرف.. وشو بِعرفك.

أما اللوحة المفصلية الفارقة والتحليل الديالكتيكي الذي تمّ إسقاطه عليها والذي اختزل فلسفة المادية التاريخية وأطروحات فيورباخ فقد كان فيما يلي:

حيث ظهر شخص وهو يريد أن يلبس حذاءه! لكنه حشر قدمه اليمنى داخل الفردة اليسرى للحذاء، وأمسك بالفردة اليمنى وألبسها لقدمه اليسرى، وأمام هذا المشهد الهستيري قال جمعٌ غفيرٌ من السذّج الأميّين إن هذا الشخص قد وقع في الخلط والخطأ، وربما عن سهوٍ أو نتيجة إعياء وعدم تركيز.

فانتفض بوجههم فقهاء السياسة وخبراء التحليل الاستراتيجي والكوادر والنخب فقالوا: لا.. لا.. ليس هو مخطئ بل أراد توجيه رسالة، وقالوا إن هذه الحركة المتوازنة والمدروسة تعني النية والعزم على قلب مفاهيم السياسة وعلم الاجتماع السياسي، ويتمثّل بذلك بقلب ما كان يعرف باليسار إلى يمين أي الذين كانوا يسمون معارضة سيصبحون موالين ومؤيّدين للملك أما من كانوا يُسمَّون باليمين وهم أنصار الدولة فسوف يتم اعتبارهم يساراً ومعارضين.

وهناك لوحات أخرى ولكن سوف أترك مشاهدتها ثم نقدها وتحليل مدلولها والرسائل السميدعية أو الصميدعية المستوحاة والمستلهمة من طلاسمها لكم أنتم.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني