ما جرى ويجري في السويداء كشفَ ويكشفُ أبعادَ المسألة

0

أولاً: إن ما جرى ويجري ليس شيئاً اعتياديّاً أو ظاهرةً عابرةً حتى نمرَّ عليه بشكل عابر.

ثانياً: رغم التصاق الموضوع بالجانب الطائفي والأقلوي، إلّا أننا حين نتناوله باهتمام، فهذا لا يعني أبداً أننا طائفيون أو أقليّون، بل هذا الاهتمام هو بدافع الوطنية والعقلانية، وذلك لأن ما جرى وما يجري في محافظة السويداء – وشأنها بذلك شأن بعض المناطق الأخرى – هو مسألة خطيرة، لأنها ظاهرة مسلّحة تسبّبت ويمكن أن تتسبّب بنزاعات وصراعات وضحايا وتدمير، ولأنها ثغرة يمكن استغلالها من أطراف معادية، وهي مسألة عميقة لأنها تستند إلى فكرة طائفية، وبعيدة الأثر لأنها احتوت على مطالبات حثيثة وجادة بشكل من أشكال الانفصال تحت أسماء وعناوين مختلفة، وهي مسألة خارجة عن المألوف وعن القيم والمبادئ، لأنه تمّ التعاون مع الأطراف المعادية وفتح المجال لها للتدخل المباشر في شؤون ما كان بيتاً داخليّاً سوريّاً. ولذلك، فقد ركّزنا النظر والبحث في أسس ومعطيات هذه المسألة.

ولشرح وتفصيل المسألة نقول: لقد وجدنا أنه قد يبدو للسامع أو القارئ أن هناك تيارات متعددة، وأنّ هناك اختلافات فيما بينها، ولكن المراقب والمتابع والمتفحّص عن كثب، يجد أن هذه التيارات بينها قواسم مشتركة، وعلى رأس هذه القواسم:

إرادة الاحتفاظ بالتجمعات والفصائل المسلحة التي تشكّلت قبل زوال النظام البائد.

التمسك بكامل السلاح المتوافر بحوزة التشكيلات، والرغبة بزيادة التسلّح.

السعي للتواصل والتحالف مع الكيان الإسرائيلي، وإعلان ذلك والمجاهرة به، وهذا بتوافق جميع التيارات المتصدّرة، أو على الأقل عدم استنكار هذا التقارب والتواصل علناً وبشكل صريح واضح جازم من قِبل أيّ تيار.

العمل للحصول على شكل من الاستقلال الذاتي عن الإدارة المركزية لسورية الموحدة.

وإنّ كل ما سبق يخالف المسار العام للبلاد، فقد كان التوجّه العملي والخيار المناسب في مرحلة أعقبت ثورةً وحرباً وتحريراً وزوال نظام استبدادي متخلف، هو تفكيك الفصائل والتجمعات، وإنهاء حالة الفصائلية، وجمع كامل السلاح بكافة أنواعه، خفيفاً ومتوسطاً وثقيلاً، وحصره بيد إدارة مؤقتة للبلاد. وإنّ التقارب (الانفرادي أو الجانبي) من الكيان الإسرائيلي، ومحاولة التحالف معه والتبعية له، هو أمر غير مبرّر، وليس له أي داعٍ أو سبب أو جدوى.

وكذلك فإنّ الخيار الأفضل هو العمل بجد وإخلاص، واتباع كل ما يلزم للحفاظ على سورية موحدة ومترابطة ومتكافلة، بغاية تحقيق أفضل الأهداف لشعبها العظيم.

ومن أجل كل ما تقدم ذكره، فقد انتقدنا بشكل صريح ودائم طريقة الإدارة المؤقتة للمرحلة الانتقالية، أي الحكومة المركزية في دمشق، وانتقدنا طريقتها وأسلوبها في التعاطي والتعامل مع الحالة في محافظة السويداء.

لماذا هذا النقد وتحميل المسؤولية للحكومة المؤقتة؟

الجواب: لأنها لم تعمل، ولم تكن حازمة جازمة في قضايا تفكيك وحل جميع التجمعات والتشكيلات المسلحة في السويداء، رغم أنّ بعضها هو من مخلّفات وصناعة النظام البائد، ولم تعمل هذه الإدارة شيئاً، ولم تقم بأي إجراء في سبيل جمع الأسلحة المنتشرة بكثرة، بكافة أنواعها وعياراتها، ولم تصادر أي قطعة سلاح، كما فعلت ذلك بشكل جاد وحازم في معظم المناطق الأخرى.

كما أنّ الحكومة المؤقتة لم تتخذ أية خطوة أو أي إجراء قانوني – يمكن أن يُعتمد ويُستند إلى القوانين والدساتير المعمول بها سابقاً في الجمهورية العربية السورية، أو إلى فحوى القانون المعتمد حاليّاً – وذلك ضد من يطالبون بالانفصال، أو حتى بـ (اللامركزية) التي تثلم وتشوه سورية الموحّدة، وكذلك ضد من يتواصلون ويتّفقون مع طرف خارجي معادٍ ومحتلٍّ لجزء من سورية.

ولقد انتقد المتابعون والمهتمّون هذا التعامل البارد من قِبل الحكومة، وذلك لأنهم توقّعوا – بشكل جازم – تفاقم الحالة غير الصحيحة في السويداء، حتى تستجر البلاد إلى صراع مسلح، وحتى تشذّ عن الجسد السوري المنشود، وهو الجسد الموحد والسليم، وتستقوي بأطراف خارجية لفرض حالة من الانفصال.

وهذا ما حصل فعلاً، فقد أظهرت التيارات المتصدّرة في السويداء حالةً من التمرّد ورفض الحكومة المركزية، ورفض سلطة الدولة وأجهزتها. وهنا، وبغضّ النظر عن موقفنا من الحكومة المؤقتة، فإنّ رفض وجودها ليس هو الخيار الصائب، هذا ناهيك عن أسلوب الرفض غير المسؤول، ثم إنه تمّ التواصل والاحتماء والاستقواء بإسرائيل.

ثم إنّ بعض التيارات قد أخطأت في تقدير وزنها وحساب قوتها، وتمادت وغامرت بخروجها عن القانون، ومحاولتها فرض نفسها كحالة أمر واقع، وفرض رغباتها الانعزالية.

وما حدث مؤخّراً هو تغوّل مجموعات مسلّحة واعتداؤها على مكوّن آخر من طائفة أخرى، وهنا ظهرت نتائج أخطاء الإدارة المؤقتة.

كيف وفي ماذا ظهرت الأخطاء؟

الجواب:

أولاً: في ترك التجمعات والتشكيلات التي تتبع (الطائفة الدرزية – مع الأسف لهذا التوصيف ولكن لضرورة البيان) وترك كامل سلاحها في حوزتها، وفي نفس الوقت الإصرار على تفكيك التشكيلات الأخرى المتاخمة لها، والمحكومة بالاحتكاك بها، والمحتملة للخلاف أو الصدام معها، مع الإصرار والتصميم على جمع ومصادرة أسلحتهم!

وجه الخطأ: أنّ ذلك صنع خللاً في التوازن، وأذهب “الرعب الموازي”، وأنتج طرفاً قويّاً وطرفاً ضعيفاً، ممّا أغرى ودفع الطرف الذي أصبح الأقوى إلى استخدام القوة واستغلال ضعف الأطراف الأخرى، بل إنّ ذلك دفعه إلى التمرّد على الإدارة المركزية ورفض سلطتها.

ثانياً: إنّ وقوع الصدام ونشوب الصراع بين تجمعات وميليشيات منظّمة ومسلّحة، وبين جماعات قد قامت الحكومة بتفكيكها وتجريدها من السلاح، إنّ ذلك، وبعد تلكّؤ، قد أجبر حكومة دمشق على التدخل العسكري لفرض النظام والانضباط وتطبيق القانون، وهذا ما دفع التيار الدرزي بزعامة “الهجري” إلى مناشدة الكيان الإسرائيلي والاستقواء به، وهذا ما منح إسرائيل ثغرة مناسبة لها ولفلسفتها وخططها ومصالحها لكي تستغلها وتتدخل بشكل عسكري سافر في الشأن الداخلي السوري، ولصالح مكوّن أو طائفة ضد غيرها.

فلو بقيت التشكيلات الأخرى واحتفظت بأسلحتها (بشكل منضبط ومنظم)، أو على الأقل أسوة بالتجمعات الدرزية، لما حصل الصدام، نظراً لوجود التوازن و”الرعب الموازي”، ولما تجرأت إسرائيل على التدخل السافر، وكان سيكون تدخلها صعباً وله تبعات.

ثالثاً: وهنا خطأ مركب ومتشعّب:

هو خطأ بحق الشعب السوري، من حاضنة وأوساط الفصائل والتجمعات التي تمّ تفكيكها ومصادرة أسلحتها، وهذا واضح لا يحتاج إلى شرح.

وهو خطأ أمني، لأنه هزّ صورة وهيبة الدولة، وأظهر ضعف سيطرتها، وهشاشة الأمن والاستقرار، وأظهر تغوّل الجماعات المسلحة واجتراءها.

وهو خطأ مزدوج: بحق الحكومة ذاتها، وأيضاً بحق الطائفة الدرزية.

كيف ذلك؟

نعم، هو خطأ سياسي عميق، لأنه في السويداء، وفي أوساط الطائفة الدرزية، وُجدت وظهرت تيارات متعددة، وهي مختلفة الخطابات والأساليب، وإنّ من بينها – ولعلّه أكبرها – تيار وتجمع الشيخ حكمت الهجري، وأنّ حكمت الهجري وتياره هو الأكثر عداءً ومناكفة للحكومة، وهو أكثر التيارات تواصلاً مع الكيان الإسرائيلي، وهو الأكثر مطالبة بالانفصال، والحكومة تعتبر أن الهجري من كبار أعدائها ومعارضيها.

ولكن، ما حدث مؤخراً قد أعطى فرصة لحكمت الهجري كي يُحصّل مكاسب ونقاطاً ضد الحكومة، وبهذا فهو خطأ سياسي. أما الجانب الآخر لهذا الخطأ المزدوج، فهو أننا – إن افترضنا أن حكمت الهجري وتياره لا يمثّلان محافظة السويداء والطائفة الدرزية، وأنه كانت هناك تيارات أخرى لهذه الطائفة تعارض توجّهات الهجري وتناكفه وتنافسه، ولها توجهات معتدلة – فإن ما حدث قد منح حكمت الهجري فرصة لتلميع صورته، وللدفاع والمرافعة عن توجهاته وسياسته، وأعطاه مجالاً لإظهار نفسه وتياره بأنه هو الأكثر حكمةً وبراعة، والأكثر انتماءً للطائفة، والأكثر حرصاً على أبنائها وعلى مصالحهم.

وإنّ هذا الذي حدث، وخاصة تدخل الكيان الإسرائيلي بشكل واضح وحاسم، قد أظهر مصداقية التواصل والعهود الإسرائيلية ونتائج ذلك على أرض الواقع.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن أبناء الطائفة الدرزية – مثلهم مثل معظم الشعوب – هم مجتمع بسيط وعاطفي، وبالطبع يعاني مثل غيره من مرض الطائفية والتكتل الطائفي، فإنّ الشيخ حكمت الهجري استطاع أن يُعيد بناء نفسه، وتلميع صورته، واستطاع جذب واستقطاب قاعدة شعبية تلتفّ حوله، وذلك على حساب التيارات الأخرى التي افترضنا أنها تختلف معه، وهذا ما يفسّر عدم وجود أيّ تيار أو تجمع أو صوت يعارض – بشكل صريح وفعّال وجادّ – توجه الهجري وتياره وأنصاره ومؤيديه نحو المجابهة والانجرار نحو الحرب.

وإذا كان علينا بعد كل هذا الانتقاد أن نتحدث عن الحلول والبدائل، فإن اقتراحنا هو:

أن تتصرّف الحكومة المركزية في دمشق – أياً كانت هذه الحكومة – بأن تبحث في محافظة السويداء، وفي أوساط الطائفة الدرزية، عن تيارات علمانية مدنية تترفع عن الفكر والثقافة الطائفية، ثم توحيد ودمج هذه التيارات، والتوجّه نحوها والانفتاح عليها والتعاون معها، ثم دعمها وإرشادها بما يجعلها تتصدّر محافظة السويداء، ثم القيام بحوارها وإشراكها في إدارة الدولة الجديدة.

وهذا الاقتراح لا يخصّ فقط الطائفة الدرزية، ولا يقتصر عليها، بل هو يشمل كامل الشعب السوري بجميع طوائفه وثقافاته.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني