الصراع السوري وتكلفة الإقصاء
تشهد الساحة السورية تصاعداً في التوترات والنزاعات وتتخذ أشكالاً سياسية أمنية وحتى أهلية وفي خلفية هذه الصراعات تتكرّر ملامح أزمة واحدة تتجذّر في عمق البنية السورية الراهنة: غياب عقد وطني جامع ورفض سلطات الأمر الواقع لمبدأ الشراكة.
جذر الصراع: الهيمنة ورفض المشاركة
إن الصراع في السويداء ومع قسد وباقي الصراعات القائمة في الساحة السورية يرتبط بجذر واحد مشترك يتمثل في: هيمنة هيئة تحرير الشام على القرار السياسي والاقتصادي في سوريا ورفضها مشاركة القوى والأحزاب السياسية في قيادة المرحلة الانتقالية وصياغة عقد اجتماعي يشارك فيه الطيف السياسي والاجتماعي السوري.
هذا النهج الإقصائي أدّى إلى تناقض مباشر مع أوسع قوى ومكونات اجتماعية سورية التي تطمح إلى دولة مدنية تمثيلية لا سلطة عسكرية أو دينية منفردة.
السويداء: نزاع أهلي وتدخل أمني
في محافظة السويداء تفجّر نزاع مسلح بين مكوّنات من الدروز والبدو ما كشف هشاشة الوضع المجتمعي في ظل غياب مؤسسات سيادية موثوقة.
ردّ سلطة دمشق لم يأتِ عبر مسار سياسي أو مصالحة مجتمعية، بل عبر خيار أمني وعسكري مباشر ما زاد من حدة التوتر، وفتح الباب أمام توترات إضافية.
قسد وسلطة دمشق: توتر سياسي بلا أفق
في شمال وشرق سوريا تستمر الأزمة بين قسد وسلطة دمشق وسط تعثر أي مسار تفاوضي حقيقي. ففي حين تطالب قسد بالاعتراف بالإدارة الذاتية كشريك سياسي ترفض دمشق ذلك وتتمسك بمركزية القرار مع محاولة مستمرة لإضعاف المشروع الإداري هناك.
هذا التوتر يعبّر عن غياب الثقة وانعدام الإرادة لبناء شراكة عادلة بين المركز والمناطق الخارجة عن سيطرته ويزيد من تماسك سلطات الأمر الواقع بدلاً من دمجها في مشروع وطني.
فبدلاً من الحوار تستمر سياسة الإنكار والتهميش والتخوين ما يُبقي مناطق قسد في مواجهة مستمرة مع المركز ويزيد من احتمالات الانفجار الأمني أو الانفصال السياسي
التداعيات: دولة مفككة وسلطة بلا تمثيل
هذا النهج الأمني والسياسي المتكرر يعيد إنتاج الأزمة السورية حيث تفرض قوى الأمر الواقع سلطتها دون تمثيل وتُقصي الأطراف الأخرى في ظل فراغ سياسي ودستوري شامل
وفي غياب التوافق يتحول كل نزاع محلي إلى أزمة وطنية قابلة للانفجار كما حدث في السويداء
خاتمة:
من سلطة الأمر الواقع إلى التمثيل الوطني
ما تعيشه سوريا اليوم ليس مجرد تعدد سلطات بل غياب دولة تمثّل الجميع وغياب عقد اجتماعي جديد يُكتب بإرادة سورية حقيقية.
هيمنة هيئة تحرير الشام على القرار ورفضها المشاركة السياسية ليست مجرد قضية محلية بل جذر صراع يتسع في كل الاتجاهات.
وفي الوقت ذاته تساهم سياسات دمشق المركزية ورفضها الاعتراف بالتعدد السياسي والاجتماعي في تعميق الانقسام بدلاً من تجاوزه.
ومع استمرار الإقصاء ستبقى البلاد عرضة لصراعات متجددة ما لم يتم فتح الطريق أمام توافق وطني شامل تشاركي وعادل يضمن لكل السوريين مكاناً في صياغة مستقبلهم.