هذا التقرير هو مجموعة إجابات السيد ديميتري بريجيه[1] المحلل السياسي والباحث في الشأن السياسي الروسي ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية على أسئلة وجهتها صحيفة نينار برس المرخّصة في تركيا وهي قيد الترخيص في سوريا.
مقدمة:
تواجه روسيا منذ مطلع القرن الحادي والعشرين مجموعة معقدة من التحديات والتحولات في سياستها الخارجية والداخلية. وقد أثارت جملة من التساؤلات الفكرية حول استراتيجيات موسكو ودوافعها على مختلف الجبهات، من الشرق الأوسط إلى أوروبا وآسيا. في هذا التقرير التحليلي المتماسك نناقش خمسة محاور رئيسية تتعلق بالدور الروسي المعاصر: أولاً، تفسير تبدّل موقف روسيا إزاء النظام السوري من دعمٍ واسع إلى فتور ولاحقاً احتمال التخلّي؛ ثانياً، الدوافع العميقة وراء الحرب الروسية على أوكرانيا بما يتجاوز ذريعة توسع الناتو؛ ثالثاً، أسباب إخفاق بناء علاقة متوازنة مع الغرب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ودور الترسانة النووية في حسابات موسكو اليوم؛ رابعاً، عوامل التقارب الروسي – الصيني وأهداف كل طرف من هذا التحالف غير المعلن؛ خامساً، تعثر روسيا في بناء اقتصاد قوي في عهد بوتين وأسباب استمرار نموذج الاقتصاد الريعي بدل النمو الإنتاجي على غرار التجربة الصينية.
يعالج هذا التقرير هذه المحاور بلغة أكاديمية رصينة ومن منظور استراتيجي محايد، سعياً لفهم أعمق لتحركات روسيا الدولية وانعكاساتها. وهو يمثّل إجابات على أسئلة وجهتها صحيفة نينار برس:
أولاً: من الدعم الواسع إلى الفتور تجاه نظام الأسد في سوريا
شهدت السياسة الروسية في سوريا تحولاً ملحوظاً خلال العقد الماضي. فقد بدأت بتدخل عسكري واسع النطاق دعماً لنظام الرئيس بشار الأسد، ثم انتهت إلى مؤشرات توحي بتراجع الالتزام الروسي وربما استعداد موسكو للتخلي عن الأسد إذا اقتضت ضرورات المصلحة الإستراتيجية. لفهم هذا التحول، لا بد من استعراض السياق والدوافع:
1- أهمية سوريا لموسكو ودوافع التدخل الأولي: شكلت سوريا حليفاً تاريخياً لروسيا (وللسوفييت قبلها) وموقعاً إستراتيجياً يضمن نفوذ موسكو في قلب الشرق الأوسط. في عام 2015، عندما شارفت قوات النظام السوري على الانهيار أمام تقدم قوى المعارضة، اتخذ الكرملين قراراً حاسماً بالتدخل العسكري المباشر. جاءت هذه الخطوة لتحقيق عدة أهداف جوهرية من منظور روسي:
– حماية مصالح روسيا الاستراتيجية: تملك روسيا قاعدة بحرية في ميناء طرطوس السوري وقاعدة جوية في حميميم؛ والحفاظ على نظام حليف يضمن بقاء هذه المواقع العسكرية كان ضرورة أمنية. كذلك أرادت موسكو منع سقوط الدولة السورية في أيدي قوى مدعومة من الغرب أو تركيا، مما قد يهدد نفوذها الإقليمي.
– إبراز عودة روسيا إلى الساحة الدولية: اعتُبر التدخل الروسي في سوريا أول عملية عسكرية خارجية كبرى لموسكو منذ نهاية الحرب الباردة، وبالتالي رسالة قوية بأن روسيا استعادت موقعها كقوة عالمية فاعلة. لقد أبرزت موسكو نفسها كحامٍ لحلفائها في وقت تخلت فيه الولايات المتحدة عن بعض حلفائها (كما حدث مع مصر زمن الربيع العربي). هذا أكسب روسيا سمعة الحليف الذي يمكن الاعتماد عليه وعزز نفوذها لدى دول أخرى في المنطقة.
– مكافحة الإرهاب وحماية الدولة السورية: رفعت روسيا شعار محاربة التنظيمات الإرهابية مثل “داعش” و”النصرة”، مبررة تدخلها بأنه لحماية الدولة السورية الشرعية ومنع انتشار الفوضى. ورغم أن جلّ عملياتها استهدفت فصائل المعارضة المسلحة بكل أطيافها لضمان بقاء النظام، إلا أنها سوّقت تدخلها عالمياً ضمن إطار شرعي (بدعوة من الحكومة السورية الشرعية) وبحجة استقرار المنطقة.
– موازنة النفوذ الغربي: وفّر التدخل الروسي في سوريا أيضاً قناة اتصال غير مباشرة مع الولايات المتحدة والقوى الغربية. فمن خلال العمليات العسكرية هناك، اضطرت واشنطن للتنسيق مع موسكو لتجنب الاحتكاك المباشر في الأجواء السورية. وهكذا استعادت روسيا مكانة تفاوضية مع الغرب بعد فترة عزلة نسبية إثر أزمة أوكرانيا عام 2014. إضافة لذلك، وسّع التواجد الروسي النشط في الشرق الأوسط حوار موسكو مع قوى إقليمية كتركيا وإيران وإسرائيل ودول الخليج، مما أكسبها أوراقاً إضافية على طاولة الترتيبات الأمنية في المنطقة.
بفضل هذا التدخل المدروس، نجحت روسيا في منع انهيار نظام الأسد وقلب موازين الحرب لصالحه. استعادت قوات النظام مدعومة بالقوة الجوية الروسية مدناً ومحافظات رئيسية (كاستعادة حلب أواخر 2016)، ورسخت موسكو أقدامها عسكرياً عبر قواعد دائمة واتفاقيات بعيدة المدى مع دمشق. وبدا لوهلة أن الاستثمار الروسي سيؤتي ثماره سياسياً واقتصادياً؛ فإلى جانب النفوذ العسكري، تطلعت روسيا إلى عقود إعادة الإعمار ومشاريع الطاقة واستثمارات أخرى في سوريا ما بعد الحرب، اقتساماً لـ”كعكة” إعادة الإعمار المستقبلية.
2- تحوّل الحسابات الروسية وتراجع الحماس لبقاء الأسد: على الرغم من النجاحات العسكرية والدبلوماسية الأولية، طرأت مستجدات خلال السنوات القليلة الماضية جعلت موسكو تعيد تقييم جدوى دعم الأسد المفتوح. ثمة مؤشرات قوية على أن روسيا لم تعد ترى في النظام السوري رصيداً إستراتيجياً بل عبئاً سياسياً واقتصادياً. ويمكن تلخيص أبرز العوامل التي قادت إلى هذا التحول كما يلي:
– عبء اقتصادي واستنزاف الموارد: تحول الدعم الروسي الطويل لسوريا إلى عبء مالي، خاصة في ظل تدهور الاقتصاد السوري الحاد. فبعد سنوات الحرب، أصبحت سوريا بلداً شبه منهار اقتصادياً: عملة منهارة، وبنية تحتية مدمرة، واعتماد كبير على الدعم الخارجي. هذا الواقع يعني أن أي استمرار في دعم النظام يتطلب التزاماً مالياً كبيراً من موسكو – أمر يثقل كاهل روسيا التي تواجه هي نفسها عقوبات وتحديات اقتصادية متصاعدة (خصوصاً بعد حرب أوكرانيا). لقد وصل الأمر ببعض الخبراء الروس إلى تشبيه النظام السوري بمريض ميت سريرياً لا يعيش إلا على أجهزة الدعم الخارجية، وأن موسكو كلما زادت جرعات الدعم زاد اعتماده وتآكلت مقاومته الذاتية. مثل هذا الوضع غير قابل للاستدامة ويضع روسيا أمام خيار تمويل دائم لدولة فاشلة، وهو ما لا تستطيع تحمله طويلاً.
– تشبع الأهداف الإستراتيجية وتغير الأولويات: حققت روسيا معظم أهدافها الأصلية من التدخل السوري – النظام لم يسقط، والقواعد الروسية مؤمنة، والنفوذ الإقليمي تعزّز – فلم تعد ترى ضرورة لمزيد من التورط في مستنقع حرب لا نهاية واضحة لها. على العكس، برزت تحديات أكبر على الأجندة الروسية جعلت سوريا مسرحاً ثانوياً. الحرب في أوكرانيا منذ 2022 مثال صارخ؛ فقد استحوذت على اهتمام المؤسسة العسكرية والسياسية في موسكو، واستنزفت جزءاً كبيراً من القوات والموارد. بل إن روسيا اضطرت لنقل بعض وحداتها العسكرية ومعداتها من سوريا إلى جبهات أوكرانيا، مما أضعف حضورها الميداني في الشام. وهكذا تراجع تركيز الكرملين على الساحة السورية مع تصاعد التهديدات والمصالح الحيوية في جواره الأوروبي. وفي الوقت نفسه، تزايدت التزامات روسيا الدولية في ملفات أخرى (مثل مواجهة الناتو، وإدارة العلاقات مع الصين والهند)، فبات الحفاظ على الاستثمار العالي في سوريا موضع إعادة نظر.
– تعاظم دور إيران والخلافات التكتيكية: خلال سنوات الحرب، اعتمد الأسد على محورين أساسيين: الدعم الروسي جواً وسياسةً، والدعم الإيراني براً ومن خلال الميليشيات (وأبرزها حزب الله). ورغم تعاون موسكو وطهران في إنقاذ النظام، برزت بينهما تباينات في الرؤى. روسيا كانت حريصة على بناء مؤسسات جيش نظامي سوري جديد موالٍ لها وممسك بزمام الأمور، بينما ركزت إيران على إنشاء ميليشيات موالية لها وترسيخ نفوذ عقائدي وأمني داخل بنية النظام. هذا التعارض أجهض معظم محاولات موسكو لإعادة هيكلة الجيش السوري أو جعل قراره أكثر استقلالية عن أمراء الحرب والفساد. ولم تكن طهران مستعدة للتنازل عن نفوذها لصالح رؤية موسكو، مما عرقل جهود إعادة بناء دولة سورية قوية تستطيع الاستغناء عن الراعي الخارجي. في المحصلة، بقي جيش الأسد هشاً مخترقاً بالولاءات المتعددة وغير قادر على الصمود منفرداً، وبالتالي استمر اعتماد النظام كلياً على الدعم الروسي/الإيراني. هذا الوضع المستعصي أقنع الروس بأن مهمة تحويل النظام إلى حليف قوي ومنتج هي مهمة شبه مستحيلة.
– جنوح النظام السوري نحو الجمود والعناد السياسي: يرى صنّاع القرار في موسكو أن النظام السوري لم يساعد نفسه فعلى الصعيد السياسي، أظهر الأسد تصلباً ورفضاً لأي مصالحة حقيقية أو تسوية مع المعارضة المعتدلة، كما لم يبد مرونة تجاه المبادرات الدولية (كعملية جنيف أو اللجنة الدستورية) التي سعت إلى حل سياسي. هذا العناد أبقى سوريا في حالة عزلة وعطّل جهود التطبيع الإقليمي سريعاً. وعلى صعيد الإدارة والاقتصاد، تغوّل الفساد ضمن منظومة النظام وتفككت مؤسسات الدولة لتحل مكانها مافيات حرب تتحكم باقتصاد غير رسمي قائم على تجارة الحرب (بما فيها الاتجار بالمخدرات كالكبتاغون). هذه البيئة السامّة – بتعبير بعض المحللين الروس – باتت منفرة حتى لحلفاء دمشق. العديد من رجال الأعمال الروس الذين فكروا بالاستثمار في سوريا عزفوا عن ذلك بسبب غياب القانون وهيمنة الفساد وأمراء الحرب، ما بدد الآمال الروسية بجني ثمار اقتصادية من تدخلها. باختصار، أصبح نظام الأسد “شريكاً صعباً” لموسكو سياسياً واقتصادياً: فهو يريد استمرار حمايته لكنه غير مستعد لتقديم تنازلات أو إصلاحات تخفف العبء عنها.
– سوريا من ورقة مفاوضات إلى ورقة محروقة: في السنوات الأولى، اعتبرت موسكو وجودها في سوريا ورقة لرفع مكانتها في مواجهة الغرب، باعتبارها تتحكم بمفتاح حل أزمة دولية معقدة. لكن مع اندلاع حرب أوكرانيا 2022، تغيرت المعادلة جذرياً؛ أصبحت أوكرانيا هي الملف الرئيسي في مواجهة روسيا والغرب، وتراجعت أهمية سوريا على جدول الأعمال العالمي. لم تعد واشنطن تولي الملف السوري أولوية عالية، وأصبحت الاتصالات الروسية الغربية حول سوريا محدودة وظلّت ثانوية أمام مشهد الصراع الأكبر في أوروبا الشرقية. وهكذا تقلصت قيمة سوريا كأداة تكتيكية بيد الكرملين عند التفاوض أو كسب تنازلات من الغرب. هذا التطور جعل استمرار الاستثمار الروسي هناك أقل جدوى من ذي قبل.
في ضوء هذه العوامل مجتمعة، بات النظام السوري أشبه بعبء استراتيجي على روسيا أكثر من كونه رصيداً. ومع حلول نهاية 2024 وجدت موسكو نفسها أمام مفترق طرق حرج: إما مواصلة الإنقاذ المفتوح للأسد (بكل ما يتطلبه ذلك من موارد عسكرية ومالية وانخراط مباشر قد يذكر بتجربة الاتحاد السوفيتي المريرة في أفغانستان)، أو التراجع خطوة إلى الوراء وترك النظام يواجه مصيره إذا عجز عن الصمود ذاتياً. تشير التحليلات إلى أن الكرملين مال بشكل متزايد للخيار الثاني الأقل كلفة. فالتضحية ببشار الأسد – مهما حمل ذلك من خسارة معنوية مؤلمة لمشروعها السوري – قد تغدو الثمن الضروري للخروج من صراع طويل النزيف لم يعد مربحاً أو ذا أولوية. خصوصاً أن روسيا ضمنت مصالحها الأساسية (كالقواعد العسكرية) التي تستطيع الحفاظ عليها عبر أي ترتيبات مع قوى جديدة قد تملأ الفراغ في دمشق، سواء كانت حكومة انتقالية أو نظام آخر أكثر اعتماداً على دعم إقليمي. وهنا تجدر الإشارة إلى أن موسكو لن تتخلى عن نفوذها في سوريا ككل؛ فهي ستسعى للاحتفاظ بدورها لاعباً أساسياً بغض النظر عن شخص الحاكم في دمشق. وقد تراهن روسيا على التفاهم مع قوى إقليمية ودولية لترتيب مرحلة ما بعد الأسد بما يصون مصالحها – فمثلاً، طُرحت سابقاً فكرة إشراك المعارضة المقبولة إقليمياً في حكم انتقالي، أو تقاسم نفوذ بين روسيا وتركيا وإيران في مناطق النفوذ السورية.
3- التوافق الدولي وصفقة المستقبل في سوريا: يثار سؤال حول ما إذا كان التحول في الموقف الروسي جاء ضمن توافق دولي أوسع حول سوريا. الواقع أن ثمة مؤشرات على تناغم ضمني بين القوى المنخرطة بالملف السوري حالياً على ضرورة إيجاد مخرج للمأزق المستمر. بعد أكثر من عقد على الحرب، أنهكت الأزمة جميع الأطراف: أوروبا مثقلة باللاجئين، وأمريكا تريد تقليل انخراطها العسكري، وتركيا تريد تأمين حدودها وعودة بعض اللاجئين، والدول العربية تسعى لاحتواء النفوذ الإيراني وتخفيف الاضطراب الإقليمي. في 2023 بدأنا نشهد انفتاحاً عربياً على دمشق (عودة سوريا إلى الجامعة العربية ومساعٍ بقيادة دول كالإمارات والسعودية للتطبيع المشروط)، لكن هذا الانفتاح رافقته مطالبات للأسد بإجراءات سياسية (كبح النفوذ الإيراني، والمخدرات، والمصالحة الداخلية) لم يُظهر تجاوباً معها. من جانب آخر، دخلت تركيا في مفاوضات غير مباشرة مع النظام بوساطة روسية – المعروفة بمسار موسكو/آستانا – ضمن صفقة أمنية ربما تضمن حدود تركيا وتقييد الأكراد مقابل قبول تركي مشروط ببقاء النظام. إلا أن هذه المساعي اصطدمت بشروط دمشق المتعنتة وبفتور الحماس الروسي في الفترة الأخيرة.
من المحتمل أن روسيا أجرت حساباتها الدولية وخلصت إلى أن التخلي عن شخص الأسد قد لا يواجه معارضة تذكر، بل ربما يلقى ترحيباً حذراً من معظم الأطراف. الولايات المتحدة وأوروبا منذ البداية رأت الأسد عقبة في أي حل مستقبلي، لكنها أيضاً لم تعد تصر على إسقاطه بالقوة، بل تركز على التسوية السياسية وتطبيق قرار مجلس الأمن 2254. الدول العربية أصبحت منفتحة على تطبيع مشروط، لكنها لن تأسف كثيراً إذا تبدّل رأس النظام ضمن عملية داخلية متفق عليها. حتى إيران – الحليف الأبرز للأسد – قد تعيد تموضعها إذا استشعرت أن بقاءه لم يعد ممكناً، وستسعى للحفاظ على نفوذها عبر شخصيات أو ترتيبات بديلة. بكلمات أخرى، لم يعد هناك تمسك دولي بشخص الأسد إذا توافرت بدائل تضمن استمرارية الدولة السورية وتوازن المصالح. على هذا الأساس، يمكن التكهن بأن صفقة ما حول مستقبل الحكم في سوريا قد تكون مطروحة خلف الأبواب المغلقة: صفقة تتضمن انتقالاً سياسياً في دمشق كالذي حدث في نهاية 2024، أو تقاسماً لمراكز النفوذ بين القوى الكبرى والإقليمية، بما يلبي الحد الأدنى من مصالح الجميع. الدور الروسي هنا جوهري؛ فإذا قررت موسكو رفع الغطاء عن الأسد وقبول تغيير ما، فسيكون ذلك على الأرجح جزءاً من تفاهم دولي أوسع يكفل لها مكاسب مقابلة أو على الأقل عدم الإضرار بمصالحها. قد تطالب موسكو بضمان بقاء قواعدها العسكرية وامتيازات شركاتها في أي وضع جديد، وربما تأمين اعتراف بدورها في الملف السوري شبيه بنفوذها في صيغة أستانا. مقابل ذلك، قد توافق على انتقال منضبط للسلطة أو إدماج قوى معارضة في حكومة موسعة.
من منظور استراتيجي روسي، النظام السوري أصبح ورقة المقايضة عليها إذا الثمن المُكتسَب أعلى من كلفة الاحتفاظ بها. ومع تعاظم الضغوط على روسيا في ساحات أخرى (كأوكرانيا)، ربما رأت موسكو أن تقديم تنازل في سوريا – كعدم الاعتراض على تغيير القيادة – يخفف الضغط الدولي أو يفتح قنوات صفقة مع الغرب. ورغم عدم وجود إعلان رسمي عن تغير الموقف الروسي، فإن سلوك موسكو الميداني والدبلوماسي أظهر فتوراً واضحاً: تقليص للعمليات العسكرية في سوريا، تشجيع خجول للمصالحة التركية-السورية، استقبال قادة المعارضة السورية في موسكو أحياناً لموازنة علاقاتها، والأهم عدم تدخلها الحاسم حين تعرضت قوات النظام لهجمات خطيرة في الشمال أواخر 2024. كل ذلك يوحي بأن الكرملين لم يعد يعتبر الدفاع عن الأسد “مهما كان الثمن” خياراً وحيداً، بل منفتحاً على مخرجات أخرى إن اضطر إليها.
بناءً عليه، يمكن تفسير الدعم الروسي الواسع سابقاً والتخلي اللاحق بأنه تحول براغماتي أملته ظروف الواقع. روسيا دعمت الأسد طالما رأت نظامه ركيزة لنفوذها ومصالحها، لكنها حين تحول مع مرور الزمن إلى عائق استراتيجي يهدد جرّها إلى مستنقع خسائر، أعادت حساباتها بواقعية. لا يعني ذلك أن روسيا تنقلب كلياً على حليفها القديم بلا مقابل؛ بل قد تدفع نحو ترتيب يحفظ هياكل الدولة السورية (لتجنب الفوضى) ويأتي بقيادة أكثر قابلية للقبول داخلياً وإقليمياً، ما يسهل إعادة الإعمار واستقرار البلد – وهي نتائج تصب أيضاً في مصلحة موسكو بعيدة المدى. وفي المحصلة، تؤشر هذه المرونة الروسية إلى مقاربة واقعية جديدة: فحلفاء موسكو ليسوا أثماناً غالية لدرجة التضحية بالمصالح الروسية العليا من أجلهم، وإذا استلزم الأمر قد تُبرم “صفقة كبرى” تتخلى بموجبها عن رجل دمشق في مقابل ضمان دورها المستقبلي في سوريا وضمانات من القوى الأخرى تتعلق ربما بملفات أهم (كأوكرانيا أو العقوبات). هكذا، يظهر السلوك الروسي في سوريا مدى استعداد موسكو لتعديل استراتيجياتها تبعاً لتغير موازين الربح والخسارة على رقعة الشطرنج الدولية، حتى لو بدا ذلك نقيضاً لسياسة ثابتة دامت سنوات.
في ضوء التحوّل الجذري الذي شهدته سوريا بعد سقوط النظام السابق وتَسَلُّم الرئيس أحمد الشرع مقاليد الحكم على كامل التراب السوري، تدخل روسيا اليوم مرحلة دقيقة تستوجب إعادة صياغة مقاربتها تجاه الدولة السورية الجديدة. لم تعد موسكو أمام “أطراف متنازعة” أو “مناطق نفوذ متداخلة”، بل باتت تتعامل مع واقع سياسي وأمني جديد عنوانه سيطرة مركزية راسخة، يقودها رئيس استطاع أن يوحِّد البلاد تحت سلطة واحدة بعد أكثر من عقد من التفكك.
إنّ الواقعية السياسية الروسية، التي طالما ميزت الدبلوماسية في مراحل التحول الجيوسياسي، تقتضي اليوم الشروع في بناء علاقة استراتيجية ناضجة مع حكومة أحمد الشرع. فالتشبث برواسب الماضي أو الحنين إلى تحالفات فقدت شرعيتها وفاعليتها لن يخدم المصالح الروسية، بل سيضعها على هامش ترتيبات إقليمية ودولية تتشكل حالياً بوتيرة متسارعة.
لقد أثبت الرئيس أحمد الشرع قدرة فريدة على دمج البنية العسكرية والتنظيمية بمشروع سياسي جامع أعاد للسوريين شعور الدولة والانضباط. وتجلّى ذلك في توحيد المؤسسات، تأمين الحدود، إطلاق حوارات وطنية، وفرض منطق القانون بدل منطق المحاور. في هذا السياق، تصبح روسيا مدعوة لا إلى الاعتراف فقط، بل إلى الانخراط الفعّال في هذه المرحلة الجديدة، من خلال بناء جسور الثقة، وتقديم مبادرات عملية لإزالة الإرث السلبي للعقد الماضي.
إنّ استعادة الاستقرار في سوريا، وتوحيد القرار فيها، يفتح آفاقاً هائلة للتعاون الروسي-السوري في مجالات الطاقة، الأمن، التعليم، البنية التحتية، والاتصالات. روسيا، التي تملك خبرات واسعة في إعادة الإعمار، وتطوير القطاعات الصناعية الثقيلة، يمكن أن تصبح شريكاً رئيسياً في النهضة السورية المقبلة، شريطة أن تتعامل مع الحكومة الجديدة بصفاء استراتيجي، لا بتردد مشوب بالهواجس.
لكن هذا لا يكون إلا عبر تجاوز العوائق التي خلفها الاصطفاف مع النظام السابق، سواء على المستوى الرمزي أو السياسي. الاعتراف الواقعي بحكومة الرئيس الشرع، ودعوتها للحوار المباشر، وتقديم الدعم الفني والتقني، يمكن أن يُعيد لروسيا موقعها كفاعل مسؤول وعقلاني في المنطقة، وليس كداعم لطرف خاسر في معادلة انتهت.
وفي المقابل، على موسكو أن تُدرك أن القيادة السورية الجديدة لا تُشبه النظام القديم في بنيته ولا في تفكيره. هي حكومة قادرة على فرض الأمن، لكنها في ذات الوقت منفتحة على شراكات متوازنة، بشرط الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشأن الداخلي. وهذا يتطلب من موسكو خطاباً جديداً، يستبدل منطق الوصاية بمنطق التعاون.
إن اللحظة الحالية تشكّل فرصة استراتيجية لروسيا: فرصة لتصحيح المسار، واستعادة الحضور، وتحقيق المصالح الاقتصادية والسياسية عبر آليات ناعمة، لا عبر التدخلات الثقيلة. فالحكومة الجديدة في دمشق أثبتت شرعيتها بالفعل والسيطرة، وليس بالشعارات، وأي تجاهل لهذا الواقع يعني ترك فراغ لصالح خصوم روسيا التقليديين.
باختصار، الاستمرار في الموقف الرمادي أو المتردد لن يؤدي إلا إلى انكماش النفوذ الروسي في سوريا، في حين أن الانفتاح العقلاني والبراغماتي على حكومة الرئيس أحمد الشرع يمكن أن يصنع شراكة غير مسبوقة، تقوم على توازن المصالح، والاحترام المتبادل، والقراءة الدقيقة لموازين القوى.
ثانياً: الدوافع الحقيقية وراء الحرب الروسية على أوكرانيا
مع اندلاع الحرب الشاملة في أوكرانيا (فبراير 2022)، ركزت الرواية الروسية الرسمية على مسألة منع توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتهديده الأمني المحتمل عبر أوكرانيا. بلا شك، يشكل توسع الناتو شرقاً أحد هواجس موسكو الأمنية المهمة، لكن حصر دوافع الحرب بهذا السبب الواحد يختزل مشهداً أعقد بكثير. فخلف قرار الكرملين بالمواجهة العسكرية تكمن أسباب أعمق متجذرة في هوية روسيا ودورها الدولي وطموحاتها الجيوسياسية. فيما يلي تفصيل لهذه الدوافع المتداخلة:
1- معضلة توسع الناتو والأمن الإستراتيجي: شكّل احتمال انضمام أوكرانيا يوماً ما إلى حلف الناتو خطاً أحمر روسياً منذ عقود. فبالنسبة لموسكو، يعني دخول أوكرانيا تحت المظلة الأطلسية زوال منطقة عازلة أساسية بين روسيا والغرب، واقتراب بنية الناتو العسكرية مباشرة من حدودها. تاريخياً، لطالما نظرت روسيا إلى أوكرانيا كعمق إستراتيجي حيوي لأمنها القومي؛ فهي بوابتها الغربية ونقطة العبور التقليدية للجيوش الغازية (من عصر نابليون إلى هتلر). في نظر الاستراتيجيين الروس، انضمام كييف لحلف معادٍ سيحوّلها إلى منصة متقدمة للصواريخ والرادارات الغربية، وربما لنشر أنظمة دفاعية أو هجومية تقلّص وقت الإنذار لأي ضربة ضد روسيا. وقد أثار توسع الناتو السابق (انضمام دول شرق أوروبا والبلطيق في 1999 و2004) شعوراً متنامياً بالحصار لدى موسكو. صحيح أن أوكرانيا عام 2022 لم تكن بعد عضواً في الناتو، لكنها كانت تتجه سياسياً وعسكرياً نحو الغرب (تدريبات مشتركة، أسلحة حديثة من أميركا وبريطانيا، حديث عن استضافة منظومات دفاع صاروخي مستقبلاً). لذا اعتبرت موسكو أن انتظار اكتمال تلك العملية سيجعل أي رد مستقبلي مكلفاً جداً أو مستحيلاً. بناءً على ذلك، جاء الخيار العسكري الوقائي لمنع تحوّل أوكرانيا إلى “قاعدة أطلسية متقدمة” أمراً مغلّفاً بمنطق الأمن القومي الوقائي الروسي. هذا البعد الأمني المباشر – وإن لم يكن الوحيد – وفر تبريراً قوياً لدى الداخل الروسي لشن الحرب.
2- الهوية التاريخية وأسطورة «الوطن الروسي الكبير»: يتعدى الصراع الروسي – الأوكراني الحسابات الأمنية الآنية ليطال جذور الهوية والتاريخ. فلطالما اعتبرت النخبة الروسية أوكرانيا جزءاً لا يتجزأ من التاريخ الروسي المشترك. تعود جذور الدولة الروسية الأولى إلى كييف روس في القرن التاسع الميلادي، وتداخلت الشعوب والعائلات عبر القرون بين ضفتي نهر دنيبر. هذه الروابط الثقافية والدينية العميقة جعلت كثيراً من الروس – وبخاصة القيادة الحالية – ينظرون إلى الشعب الأوكراني كفرع من الأمة الروسية أو “شعب شقيق” على أقل تقدير. الرئيس فلاديمير بوتين نفسه كرر مراراً قناعته بأن الروس والأوكرانيين شعب واحد تم تفريقه بقرارات سياسية خاطئة (في إشارة إلى استقلال أوكرانيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي). وفي مقال مطوّل نشره بوتين عام 2021، أنكر ضمنياً الهوية الوطنية الأوكرانية المستقلة، معتبراً أنها صناعة سوفييتية وأن أراضي أوكرانيا التاريخية “هبة” من روسيا القيصرية والاتحاد السوفييتي. تعكس هذه النظرة عدم اعتراف عميق لدى القيادة الروسية بكيان أوكراني ذو سيادة كاملة يتجه بتحالفاته حيث يشاء بمعزل عن موسكو. ومن هذا المنطلق الهوياتي، مثّل ميل أوكرانيا غرباً أشبه بتمرد داخل الأسرة الروسية وتفريط بإرث مشترك. استعادة أوكرانيا إلى الفلك الروسي بالنسبة لبوتين وأنصاره ليست مجرد مكسب جيوسياسي، بل تصحيح لمسار التاريخ وضمان لوحدة “العالم الروسي” الثقافي والحضاري. إن فقدان أوكرانيا نهائياً للغرب يعني – في المخيال القومي الروسي – بتر جزء عزيز من الجسد الروسي وإهانة لكرامته التاريخية. لذا اندفعت موسكو في الحرب أيضاً محمولة بهذا الشعور القومي التاريخي بأن أوكرانيا ينبغي ألا تنفصل عن روسيا أو تتحول إلى قاعدة معادية لها على أرض تعتبرها جزءاً من ذاتها الممتدة.
3- تصحيح النظام الدولي واستعادة المكانة الجيوسياسية: على المستوى الإستراتيجي الأشمل، تعد حرب أوكرانيا ذروة رد الفعل الروسي على حقبة ما بعد الحرب الباردة. فخلال الثلاثين سنة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي، شعرت موسكو بأنها الخاسر الأكبر في نظام عالمي جديد أحادي القطب تقوده الولايات المتحدة. توسّع الناتو والاتحاد الأوروبي شرقاً، وانفردت واشنطن بتقرير مصير أزمات العالم في التسعينيات وبدايات الألفية دون اعتبار يذكر لمصالح روسيا التي كانت ضعيفة ومهمشة آنذاك. هذا الوضع اعتبرته القيادة الروسية انكساراً جيوسياسياً تاريخياً ينبغي إصلاحه. ومنذ وصول بوتين للسلطة (2000)، أخذت موسكو تنتهج سياسة أكثر صلابة تدريجياً لإعادة فرض إرادتها: انطلقت بإعادة بناء قدراتها العسكرية والاقتصادية، ثم تحدّت توسع النفوذ الغربي في ساحتها المباشرة (كما في حرب جورجيا 2008 وضم القرم 2014). لكن هذه الخطوات على أهميتها بقيت محدودة التأثير في بنية النظام الدولي الراسخة لصالح الغرب. جاءت أزمة أوكرانيا 2022 لتكون نقطة تحوّل مفصلية: ففي نظر موسكو، لم تكن الحرب مجرد نزاع إقليمي محدود على دونباس أو مسألة سيادة أوكرانية فحسب، بل هي معركة إعادة رسم التوازنات العالمية. لقد صرّح بوتين بأن ما يجري هو صدام مع الغرب برمته الذي يحاول احتواء روسيا وحرمانها من حقها في مجالها الحيوي. بالتالي، اختارت روسيا خيار المواجهة المفتوحة في أوكرانيا لتوجيه رسالة قوية: روسيا قوة عظمى عائدة ترفض القبول بالترتيبات التي وُضعت غداة انهيار السوفييت. من هذا المنطلق، الحرب هي محاولة روسية لفرض نظام دولي جديد متعدد الأقطاب – أو على الأقل ثنائي القطبية مجدداً – عبر تحدي هيمنة الولايات المتحدة وحلفائها وخلق أمر واقع يعيد لروسيا مناطق نفوذها التقليدية. يمكن القول إن موسكو رأت في أوكرانيا ساحة الاختبار الحاسمة لإرادتها بإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل تسعينيات القرن الماضي، أي إلى زمن كانت فيه كلمتها مسموعة في القضايا العالمية الكبرى وتمتلك نفوذاً موازياً تقريباً للنفوذ الأمريكي.
4- منع نموذج ديمقراطي غربي على الحدود الروسية: هناك جانب آخر داخلي/سياسي لا يقل أهمية. فمنذ الثورات الملونة في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي (جورجيا 2003، أوكرانيا 2004 و2014، قرغيزيا 2005) تنظر موسكو بعين الريبة إلى هذه الانتفاضات الشعبية التي أطاحت بأنظمة موالية لها وجاءت بحكومات موالية للغرب. القيادة الروسية مقتنعة بأن الغرب (واشنطن وبروكسل) يدعم ويحرّض هذه التحولات لتطويق روسيا بأنظمة معادية وحرمانها من عمقها الإقليمي. والأهم أن نجاح نموذج ديمقراطي موالٍ للغرب في دولة سلافية مجاورة كأوكرانيا قد يشكّل إغراءً خطيراً للشعب الروسي نفسه وتهديداً لنظام الحكم في موسكو. بمعنى آخر، يخشى الكرملين من تأثير الدومينو الديمقراطي: إذا رأت الشعوب الروسية أن جيرانها تحرروا من الإرث السوفييتي واستطاعوا بناء دول ديمقراطية تنعم بالازدهار في كنف الغرب، فقد يلهم ذلك مطالب للتغيير داخل روسيا ويضعف قبضة النظام. من هذا المنطلق، كانت عودة أوكرانيا إلى فلك نفوذ موسكو مهمة أيضاً لحرمان الغرب من “نموذج ناجح” على تخوم روسيا. وقد اعتبر بوتين ثورة الميدان في كييف (2014) انقلاباً غير مشروع دبّرته أجهزة غربية، ورأى في الحكومة الأوكرانية المنبثقة عنها “نظاماً عميلاً”. وبالإضافة، فإن التوجهات القومية للحكومات الأوكرانية بعد 2014 – كتقييد استخدام اللغة الروسية ومحاولة اجتثاث رموز الحقبة الروسية – غذّت السردية الروسية بأن أوكرانيا تقع تحت حكم قوميين متطرفين يضطهدون السكان المتحدرين من أصل روسي. هذه الذريعة استُخدمت ليس فقط لتبرير التدخل حمايةً لـ “الناطقين بالروسية”، بل أيضاً لتصوير المعركة كقتال ضد الفاشية الجديدة (استحضاراً لذاكرة الحرب العالمية الثانية) ما يحفّز المشاعر الوطنية الروسية.
5- طموح شخصي وتاريخي لبوتين ونخبته: لا يمكن إغفال العامل الشخصي المتعلق برؤية بوتين ونخبة الأمن القومي الروسية لدور بلادهم. فبوتين منذ سنوات شبابه في الاستخبارات السوفييتية عايش انهيار الإمبراطورية السوفييتية الذي وصفه بأنه “أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين”. حمل بوتين ونظراؤه من رجال الاستخبارات والجيش حنيناً ضمنياً لمجد روسيا الإمبراطورية/السوفييتية، ورأوا في فترة التسعينيات درساً قاسياً حول عواقب الضعف والتبعية للغرب. عندما اشتد عود روسيا اقتصادياً وعسكرياً في العقد الثاني من الألفية، ربما آمن بوتين أن لحظة سانحة جاءت لدخول التاريخ باعتباره الزعيم الذي استعاد لروسيا مكانتها وعوّضها عما فاتها. إن رهاناً بهذا الحجم – كاستعادة أوكرانيا بالقوة – يحمل مغامرة كبرى، لكنه أيضاً ينسجم مع عقلية القائد القومي التاريخي الذي يغيّر خرائط السياسة الدولية. وقد أحاط بوتين نفسه بفريق من الصقور (مستشارين وقيادات أمنية) يتبنون فلسفة قومية محافظة تعتبر روسيا حامل لواء الحضارة الأوراسية في وجه الهيمنة الليبرالية الغربية. وفق هذه النظرة، خاضت روسيا الحرب ضد أوكرانيا أيضاً كخطوة استباقية في صراع حضاري أشمل على شكل النظام العالمي القادم، حيث لن يكتفي الروس بالدفاع السلبي بل يبادرون بهجوم يحددون به شروط التفاعل مع الغرب مستقبلاً. لذا يمكننا اعتبار الحرب أيضاً نتاج حسابات النخبة الحاكمة في موسكو التي رأت فرصة – ربما قصيرة الأمد قبل اكتساب أوكرانيا مزيداً من القوة والارتباط بالغرب – لقلب الرقعة واستعادة زمام المبادرة.
مجمل هذه الدوافع يبيّن أن الخوف من انضمام أوكرانيا إلى الناتو لم يكن سوى جزءاً من صورة أكبر. نعم، لدى روسيا مخاوف أمنية مشروعة من تمدد الخصوم إلى جوارها المباشر، لكن القرار بالذهاب إلى الحرب الشاملة استند إلى رؤية استراتيجية أعمق: رؤية تعتبر أوكرانيا مفتاح إعادة بعث النفوذ الروسي الإمبراطوري وتصحيح الاختلالات التي أصابت مكانة موسكو منذ 1991. اختلطت في هذه الحرب اعتبارات الجغرافيا السياسية (مجال نفوذ ومنع تمدد الغرب)، واعتبارات الهوية والتاريخ (وحدة العالم الروسي ومنع اقتلاع أوكرانيا من جذورها الشرقية)، واعتبارات النظام العالمي (رفض أحادية القطب وفرض واقع جديد بقوة السلاح). إن فهم هذه الطبقات المتعددة ضروري لإدراك لماذا اختارت روسيا خياراً عالي المخاطر كهذا. فهي لم تكن معركة عابرة على قطعة أرض، بل حلقة ضمن صراع أوسع على روح النظام الدولي ودور روسيا فيه. ومن منظور موسكو، ما تراه باقي أوروبا عدواناً غير مبرر، تراه هي معركة وجودية لمنع خنقها استراتيجياً ولصنع مكان يليق بها كقوة عالمية كبرى. وهذا الإدراك مهم لتفسير إصرار روسيا على المضي قدماً رغم كلفة الحرب الباهظة؛ فالأمر يتجاوز أوكرانيا كبلد في حد ذاته.
[1] –ديميتري بريجيه: باحث ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، محلل سياسي وباحث في الشأن السياسي الروسي، حاصل على بكالوريوس العلوم السياسية من الجامعة الروسية لصداقة الشعوب، ودرجة الماجستير من الأكاديمية الرئاسية الروسية للاقتصاد الوطني والإدارة العامة، عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وخبير في مجلس الشؤون الدولية الروسي.