إنهاك إيران وإسرائيل … سيصبّ في مصلحة العرب والمسلمين
الحرب بين إيران وإسرائيل ليست حرباً بين دولتين فقط، بل هي صراع بين مشروعين دينيين للمنطقة، متصادمين ولم ولن يلتقيا، ولأنهما يخلطان التاريخ بالدين بالسياسة، فلا بد أنهما سيزولان، لأنهما يحملان بذور فنائهما في بنيتهما، والتي يظنّان أنها صلبة، ولم يتعظا من كل التجارب التاريخية (القديمة والحديثة) والتي قدمت لنا مثالاً عن زوال إمبراطوريات كبرى مماثلة وكانت أقوى منهما بكثير.
1- المشروع الإسرائيلي:
ففي إسرائيل (وهو اسم ديني بالطبع)، كان إنشاء هذه الدولة بأساس يقوم على فكرة دينية، وهي إقامة دولة ليهود العالم المشتتين والمضطهدين في شتى بقاع الأرض، بحيث تكون تلك الدولة ملاذاً آمناً لهم ككيان سياسي، وهي في تراثهم التوراتي أرض الميعاد، أي الأرض التي وعدهم بها الله دون غيرهم، وهي أرض أنبيائهم وتاريخهم وأساطيرهم، حيث كان العبرانيون يسكنونها في الزمن الغابر، ويؤمن المتدينون منهم أنّ إقامة تلك الدولة هي دليل صحة نبوءاتهم الدينية، وإنّ السيطرة على تلك الأرض وطرد أهلها واجب مقدّس، وإنّ كثيراً من مقدسات الديانات السماوية الأخرى قد تمّ بناؤها فوق بعض صروح مقدساتهم، وبالتالي لا بد من هدمها، وتلك مشكلة لا حل لها، ولا تقبل القضايا المقدسة أنصاف الحلول.
والرابطة الدينية عند اليهود هي الرابطة الحقيقية التي تجمع بينهم، ويبقى تفصيلاً صغيراً العرق أو الجنسية أو بلد الولادة، وهي ديانة مغلقة لا تقبل وافداً جديداً، ويُعتبر أيّ يهودي في العالم إسرائيلي الجنسية.
والحركة الصهيونية، والتي اسمها من أصل ديني، هي الجهة السياسية العلمانية التي قادت مرحلة تأسيس الكيان في فلسطين، لأنّ رجالاتها من الدول الغربية الراعية لإقامة كيان وعد بلفور، وكانوا يهدفون لبناء نموذج مستلهم من النموذج الغربي في دولتهم، ونجحوا في حكم إسرائيل في النصف الأول من عمرها، وكان إسحاق رابين آخر رموزها، والذي اغتاله المتطرفون اليهود لإقدامه على صلح أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية.
تراجعت قوة العلمانيين اللادينيين كثيراً إلى أن ضعفت كثيراً، وازدادت قوة المتطرفين اليهود، والذين يسيطرون على المشهد السياسي لعوامل عديدة، منها الزيادة الديمغرافية لليهود الشرقيين المتدينين بفعل نسب الإنجاب المرتفعة بينهم، وتطبيقاً لتشريعات دينية تحضهم على ذلك، فيما تتراجع أعداد اليهود الغربيين العلمانيين الذين يتبنون نظام الأسرة الغربي، والذي يتميّز بقلة الإنجاب أو عدم تشكيل الأسرة بالأساس…
وبالتالي تحتاج تلك الدولة الصغيرة المزروعة في قلب العالم الإسلامي إلى عدو، ومن المفضّل أن يحمل أيديولوجيا دينية، حيث سيعمل ذلك على شدّ بنية المجتمع الإسرائيلي غير المتجانس، وتناسي تناقضاته، والتوحّد في اتجاه خطر خارجي ممكن أن يتحوّل إلى تهديد مستقبلاً.
وبسبب فشل إسرائيل طيلة العقود الماضية في الاندماج مع دول وشعوب المنطقة، ولا حتى التصالح معها، ويمكن أن لا يحدث ذلك مستقبلاً لأسباب ذاتية وموضوعية، حيث سيترتب على ذلك بقاء اعتماد الهدف الإستراتيجي والمتمثل بالاستمرار في تبني عقيدة بن غوريون وهي “قوة إسرائيل”، والتي تُؤمّن بقاءها، ليس في بناء قوتها فحسب، بل في إضعاف جيرانها، وخاصة الأقرب إليها، وسوريا هي أقرب القريب إليها، وتلك من لعنات الجغرافيا السورية كما يُقال. وبالتالي، فإنّ أيّ عمل من شأنه نهضة سوريا في أيّ مجال كان، سينظر له الكيان على أنه خطر عليه…لا تنظر إسرائيل إلى سوريا كدولة منافسة أو خصم، بل كخطر يتحول إلى تهديد عند امتلاكه الأدوات المناسبة، وبالتالي ممكن عقد اتفاقات أمنية وعسكرية، وحتى معاهدة سلام، ولكن لن يغير ذلك من بنية وطبيعة الأهداف الإسرائيلية في سوريا.
2- خطورة المشروع الإيراني:
يملك نظام ولاية الفقيه، والذي يُمثّل خلافة شيعية اثني عشرية أممية عابرة للحدود والهويات الوطنية للدول، ويتبنى رؤية عالمية ومشروعاً للمنطقة مستمداً من التراث الشيعي واجتهادات آيات الله على مرّ العصور، ويملك رواية مقدسة لنهاية الحياة على سطح الأرض أسوة بغيره من الديانات السماوية. وقد طوّر آية الله الخميني نظرية الإنابة عن الإمام الغائب إلى نظرية ولاية الفقيه، ودستورها في جمهوريته. وبالطبع، سيكون كل جهد الدولة والمسلمين الشيعة في العالم مُسخّراً لتهيئة الأسباب لظهور الإمام الغائب، وهو الهدف الأسمى، والذي يُجسّد الإيمان الفعلي، وإنّ تحقيق بعض خطوات تلك العودة يدل على صحة المشروع الديني الشيعي.
بالطبع تعبر المشاريع الدينية الحدود الوطنية للدول، ولا تُلقي لها بالاً، ولا تعترف بالانتماءات الوطنية، ولا الهويات التي تتميز بها الشعوب في المنطقة، بل تسعى إلى تدميرها، وبناء هوية شيعية جامعة لأتباعها، ستكون الأساس لبناء الأمة الشيعية، والتي يجب أن تسود المسلمين وتقودهم وتصهرهم في بوتقتها إن تيسّر ذلك. وتنظر إلى المسلمين السنة بأنهم اختطفوا الإسلام وسادوا فيه الدنيا منذ الخلافة الراشدة ولا زالوا، ويجب على الأمة الشيعية تصحيح ذلك الخطأ التاريخي وعودة الريادة والسيادة المفقودة إليها. وبالطبع هو مشروع إقصائي لا يعترف بالآخر، بل ويُجرّمه، ويحمّله أوزاراً تاريخية، إضافةً إلى ضلاله الديني.
وخطورة المشروع أنه ليس نظرياً ويدور في مناقشات النخب الدينية، بل هو تحوّل إلى تهديد، لأنه تمكّن من السيطرة على مقدّرات دولة إقليمية كبرى، وسخّر إمكانات تلك الدولة وشعبها لتحقيق أهدافه. واستناداً إلى مبدأ ديني معروف عند الشيعة، وهو مبدأ “التُقيّة”، كان من الضروري إخفاء حقيقة وأهداف المشروع النهائية، وهي السيطرة على العالم الإسلامي وقيادته وفق رؤيتها ومنهجها، ولا يوجد أفضل من الاستثمار مرحلياً في قضية لها أثر كبير في وجدان العرب والمسلمين، وهي قضية فلسطين واحتلال إسرائيل اليهودية لها ولمقدساتها، وأهمها المسجد الأقصى، أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين. ومن الناحية الدينية، لا يوجد في التراث الشيعي أيّ أهمية دينية لفلسطين، ولا توجد مقدسات للشيعة يحجّون إليها، فلا مزارات أو مراقد فيها، ولا لطميات عليها. بل إنّ الأسماء الكبرى، والتي ترتبط تاريخياً بتحرير بيت المقدس، كـالخليفة عمر بن الخطاب وصلاح الدين الأيوبي، يُعتبران من الكفار في أدبياتهم الشيعية…
لا شك أنّ المشروعين الإيراني والإسرائيلي يحملان بذور تصادمهما الحتمي، ولم يُخفِ ذلك الإيرانيون منذ أول يوم من حكم الخميني، عندما رفعوا شعارات تطالب بإزالة إسرائيل من الوجود، وطوروا تلك الشعارات لاحقاً بعد امتلاكهم لبعض أدوات تحقيقها على الأرض، إلى حدّ إعطاء مدة زمنية لتحقيق ذلك، وبالغوا إلى أن وصلوا لحدّ مهلة السبع دقائق المشهورة. وبالطبع، ليس اليهود بأغبياء ليتجاهلوا ذلك الشعار في بلد يسعى لامتلاك قنابل نووية…
يبدو أنّ سوء تقدير لازم القيادة الإيرانية، وأرادت حرق المراحل، واستبدلت أولوياتها، والتي كان يُظنّ البعض أنها كانت لتمكين قوتها وشوكتها بقضم ما تستطيعه من العالم السنّي، وتأجيل المواجهة الكبرى مع إسرائيل لتكون في ظروف واستعداد أفضل. أو أنها أرادت أن تتغدّى بإسرائيل قبل أن تتعشى بها، حيث شعرت أنّ برنامجها النووي المتقدم لم يعد السكوت عنه ممكناً، وأنها ستتلقى ضربة لإجهاضه.
أياً يكن التقدير الإيراني، فإنها رأت في انغماس الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا في صراع كبير في أوكرانيا، فرصةً لإنزال ضربة كبرى بإسرائيل تُضعفها كثيراً، وممكن أن تستثمرها إيران بفرض شروط عليها أو تحجيمها تمهيداً لإزالتها لاحقاً، وصفوّ الشرق الأوسط لها كقوة وحيدة مهيمنة…
حدث ما حدث في 7 أكتوبر 2023، وسارت الرياح بما لا تشتهيه أشرعة مشاريع ولاية الفقيه، ولم تكن إيران موفّقة في تقدير الظرف السياسي قبل 7 أكتوبر، ولا في طريقة إدارتها للمعركة عند اندلاعها، وكان تردّدها واضحاً، وهي تشاهد سقوط مصدّاتها الواحد تلو الآخر دون أن تُحرّك ساكناً. وطالما أنها أصبحت بدون مخالب وأنياب، فقد بات الطريق ممهّداً للدخول إليها وشنّ الحرب عليها.
لا يعلم أحد كم ستطول تلك الحرب، والتي لم تعتد عليها إسرائيل، ولم تختر إيران زمانها ومكانها وطبيعتها. وبعد تماسك القيادة الإيرانية وامتصاصها للضربة الساحقة الأولى (ويمكن اعتبارها مفاجئة أيضاً)، وباستعادة القيادة الإيرانية لتوازنها، وبداية ضرب إسرائيل بأنواع مختلفة من الصواريخ، وإظهار قوة أكثر مما أظهرته بالوعد الصادق 1 و2، مع أنها أسمت هذه المعركة “الوعد الصادق 3”.
ولا شك أنّ آثار الضربات الإسرائيلية قوية على إيران ومقدّراتها العسكرية، إلا أنّ إيران يمكنها احتمال حرب طويلة، بينما لا تستطيع إسرائيل ذلك. ومنذ اليوم الثاني، بدأت تستغيث بدخول أمريكا الحرب إلى جانبها، وبنهاية اليوم الثامن من الحرب لا يلوح في الأفق حسم عسكري أو رضوخ إيراني للشروط الأمريكية المُذلّة التي طرحها الرئيس ترامب، باستسلام غير مشروط، وتنفيذ الأجندات الأمريكية، وهي التخلي عن البرامج الثلاثة (النووي، الإقليمي، الصاروخي).
وأيضاً ستكون خسارة إسرائيل كبيرة بالحرب، ونتائجها كارثية عليها، حيث حتى ولو فازت بالنقاط فيها، فقد أثبتت هذه الحرب أنّ إسرائيل ليست الملاذ الآمن لليهود في العالم، وأنّ قيادتهم، والتي اعتقدت أنها تستطيع فرض الأمن بالقوة العسكرية المفرطة، وبمخزون نووي يكفي لتدمير العالم عدة مرات… وبالتالي، سنرى نخبة إسرائيلية بمئات الآلاف تحزم حقائبها وترحل من حيث أتت، ولن يبقَ فيها إلا اليهود الشرقيون المتدينون والمتطرفون (داعش يهودية) وسيقودون بلدهم للخراب.
فشل كلا النموذجين الإسرائيلي والإيراني في الاندماج في المنطقة، والتي تضم غالبية سنية، ولم يتمكنا من اقتسام الفريسة كما أرادت الولايات المتحدة، وبالتالي هي الآن حرب بين الروم والفرس، وسيصعد المسلمون بنتيجتها على حساب ضعفهما، هكذا علّمنا التاريخ، وكثيراً ما يقولون إنّ التاريخ يكرر نفسه.