
وطن واحد وشعب واحد وجيش واحد… غاية الحكاية السورية
لم يُخفِق الربيع العربي في تحقيق أهدافه كما كان يتمنى الكثيرون، ووُلِدَ من مخاضه تجربة ناجحة كانت ثمرة صراع إرادات طويل بين نظام مدعوم من محور دولي وبين شعب أعزل فَجّر ثورة أشبه بالمعجزة، ولأنها كذلك كانت تُسمّى بالثورة اليتيمة، ولم يتنادَ الثوار السوريون بشعار عفوي صدر منهم واستمر إلى يوم النصر، حيث كانوا مُدركين أنهم سيُتركون وحيدين أمام قوى عاتية، وكان الشعار: يا الله مالنا غيرك يا الله.
لم تنكسر إرادة الثوار وحاضنتهم يوماً رغم الأهوال التي واجهوها، ولم تتسلّل الهزيمة أو اليأس والإحباط إلى عزائمهم (وذلك من أهم شروط النصر).
أطلق الأوغاد كل ما يملكون لوأد فكرة ومشروع الثورة، حتى إنهم استعانوا بقوى الشر والتطرف، حيث تم فتح الأبواب وتهيئة السُبل لتمدّد داعش، وكذلك تنظيمات أخرى عابرة للحدود ومدعومة دوليا علنا رغم أنها مصنفة إرهابية، كتنظيم الـ PKK السوري، وكانوا معاول هدم مساندة لمحور النظام في الحرب على الثورة.
يمكن اعتبار أن الثورة السورية هي الوحيدة التي انتصرت بين ثورات الربيع العربي في موجته الأولى، ولا شك أن موجات قادمة ستعصف بالمنطقة حينما تتهيأ كل الظروف الذاتية والموضوعية لانطلاق شرارتها.
ولأن نجاح الثورة السورية كان بجانبه الأكبر بفعل عوامل داخلية فجّرت الثورة وأعطتها قوة الاستمرار، وأخيرا وصلت إلى غايتها الرئيسية وهي إسقاط نظام الأسد كشرط لازم وضروري لتحقيق أهدافها، حيث كان إسقاط الأسد هو العقبة الأولى التي تم تخطيها لتحقيق بقية الأهداف.
عادة ما تكتفي الانقلابات العسكرية بتغيير رأس ونواة السلطة الصلبة للحلول مكانها، بمعنى استبدال سلطة بأخرى، وبالطبع هذا ليس ديدن الثورات التي ترى في تسلّم السلطة وسيلة لا الغاية، لأنها تدرك أن الشعب لم يقم بثورته ويتحمل كل الأضرار التي لحقت به لمجرد تبديل السلطة، بل لبناء غد جديد ينعم به الأبناء، وما كان ليتحقق لولا تضحيات الآباء.
بفعل الدعم الدولي لميليشيا الأسد انحاز الثوار إلى بقعة صغيرة في الشمال السوري، وتشبثوا بها بمساعدة الشقيقة تركيا، التي بقيت الحبل السري للثورة السورية ضمن ما تسمح به المعادلات الدولية والإقليمية.
سكن الثوار وحاضنتهم الخيام على الحدود، وأنشؤوا مجتمعاتهم ونموذجهم الاقتصادي، وبنوا قوة عسكرية ضمن المتاح لهم للدفاع عن أنفسهم والانقضاض على خصمهم حينما تسنح الظروف، فيما كان الأسد يركن إلى انتصاره المزعوم فوق جماجم وعذابات السوريين، ويظن نفسه هو أفضل الخيارات من السوريين للمحيط الإقليمي والنظام الدولي، خاصة أن المحور الشرقي منخرط معه في الحرب، ورأس المحور الغربي أو خنجره (إسرائيل) اعتاد عليه ولا يريد اختبار غيره.
وبعد التحرير فإن حتمية البناء وازدهار سورية أمر مسلّم به، ولا يمكن مقارنتها بما حصل في الجوار أو الاستشهاد أو الاستشراف بفشل النموذج السوري للتغيير.
فمن دخل إلى دمشق وحرّرها من الطغيان قوات سورية بقيادة سورية وبأسلحة بسيطة وقوات قليلة العدد لكنها نوعية، هزمت المحور الإيراني في أيام قليلة، ولم يتم تسليحها بمعدات حديثة، ولم يشاهد العالم تدخلاً عسكرياً إلى جانبها يفتح لها الطرق ويزيل من أمامها العقبات، فلا طائرات تركية ولا أمريكية غطّت هجومها، وهذه حقيقة شاهدها العالم.
بينما عملية إسقاط الرئيس العراقي الراحل صدام حسين كانت على يد الجيش الأمريكي الذي احتل بغداد، وتمكن في النهاية من اعتقال الرئيس ونخبته الحاكمة، وتم إعدامهم، كما أتى المنتصر بمعارضة عراقية طائفية كتب لها المندوب السامي بريمر دستوراً وسلّمها السلطة.
وعند إسقاط الرئيس الليبي لم يكن ذلك ليتم لولا تدخل حلف الناتو واحتلال طرابلس الغرب وملاحقة الرئيس وقتله، وبعدها رعت الأمم المتحدة مرحلة انتقالية انتهت بتقسيم ليبيا واقعياً بين حكومتين شرقية وغربية.
فشل النموذجان العراقي والليبي لأن قوى التغيير الحقيقية لم تكن محلية، وليدة ثورة عمرها عقد ونصف كما هي الثورة السورية، التي أحدثت كل هذا التغيير بعوامل ذاتية، وتتطلع لصياغة مستقبل جديد برؤية سورية بعيدة عن تأثير أي أجندات خارجية.
كان للقوة المتماسكة لقوى الثورة التي وصلت إلى دمشق أثرها الواضح في تحقيق نصر عسكري حاسم أطاح بفرصة أي قوى أخرى لتكون ندّاً أو تتحدى العهد الجديد ببدء حرب أهلية تبدّد الانتصار التاريخي وتهدد بدخول سوريا في نفق مظلم سيؤدي بها في أحسن الأحوال (إن بقيت على الخريطة) إلى دولة فاشلة.
وقد يكون تجاوز ذلك المطب الخطير يرجع إلى وضوح الرؤية عند القيادة والقاعدة الثورية، وإلى الهزيمة المدوية والسريعة التي لحقت بنظام الأسد، والتي لم يستيقظ من هولها من يريد أن يقاوم التغيير الجديد إلا بعد أن أصبح ذلك مستحيلاً، حيث كان نموذج الحرب الخاطفة والسريعة لا يتيح المجال للعدو لتجميع قواته والتقاط أنفاسه.
ما جرى من أحداث في الغرب والجنوب كان في الحدود الدنيا كارتدادات متوقعة لأي عملية تغيير شامل تحدث في أي دولة، فهناك خاسرون من زوال النظام البائد، وطامحون للعب أدوار أكبر من أحجامهم، واستزلامهم لتنفيذ أجندات خارجية قد تحقق أحلامهم.
وما سيجري في الجزيرة السورية سيكون مختلفا، وقد نشهد استعمالاً للسلاح في بؤر محددة رافضة لوحدة البلاد وتسليم السلاح، وقد تنضج طبخة سورية يتمناها الجميع دون دماء، ويتحقق شعار وطن واحد وشعب واحد وجيش واحد.
لا يختلف اثنان على أن ميراث الأسد كان كارثياً على كل الصعد المادية والمجتمعية، وأن خطوة الألف ميل بدأت وستتعثر أحياناً، لأن لا وصفات جاهزة للتعافي ولا أجندات تفرض من الخارج، والمرحلة الانتقالية بداياتها مبشرة، فقد انقضى العام الأول بنتائج مذهلة داخلياً وخارجياً، فلا حرب أهلية اندلعت أو قد تندلع، ولا عقوبات مفروضة على سوريا والسوريين بقيت، وتوجد أخطاء وليست خطايا، حيث إن ارتكاب أي خطأ لم يكن مقصوداً (وهو ما يفرقه عن الخطايا)، ويتم التراجع عنه بعد الاعتراف به.
كل الأمل أن نصل في مرحلة التعافي (المرحلة الانتقالية) إلى تحقيق هدف وطن واحد وشعب واحد وجيش واحد، لبناء الدولة التي حلم بها السوريون طويلاً.