
هل يمكن أن تشرح أليس في بلاد العجائب طبيعة الحكم في سوريا
عندما نقرأ أليس في بلاد العجائب، قد نظن أننا أمام حكاية للأطفال، مليئة بالمفاجآت والمخلوقات الغريبة والمواقف الطريفة. لكن هذه القصة، في مستوى أعمق، ليست مجرد رحلة في عالم خيالي، بل هي أيضاً رحلة داخل عالم تختلط فيه السلطة بالفوضى، والقواعد بالمزاج، والخوف بالحكم. ولهذا يمكن أن تساعدنا، بصورة رمزية، على فهم طبيعة بعض أشكال السلطة، ومنها ما يمكن ملاحظته في سوريا خلال المراحل الانتقالية المضطربة.
تدخل أليس هذا العالم وهي تتوقع أن تجد منطقاً، ولو كان مختلفاً عن منطق عالمها. لكنها تكتشف سريعاً أن ما يحكم هذا المكان ليس قاعدة ثابتة، بل تغير دائم. كل شيء يتحرك، وكل شيء قابل للتبدل. الشخصيات تتكلم كثيراً، لكن كلامها لا يقود دائماً إلى معنى واضح. القرارات تصدر بسرعة، والأحكام تظهر قبل أن تتضح الوقائع. ومع مرور الوقت، يتبين أن المشكلة الأساسية في هذا العالم ليست في غرابته فقط، بل في أن السلطة فيه حاضرة بقوة، من دون أن تكون مستقرة على أساس واضح.
في قلب هذا العالم تقف ملكة القلوب (بنت الكبى). حضورها طاغٍ، صوتها عالٍ، وأوامرها سريعة. تبدو وكأنها تمسك بكل شيء: توبخ، تهدد، وتعطي الانطباع بأنها صاحبة القرار النهائي في كل صغيرة وكبيرة. لكن مع تقدم القصة، نكتشف أن قوتها ليست متينة كما تبدو. فهي لا تحكم عبر قانون واضح، ولا عبر مؤسسات مستقرة، بل عبر الخوف وتكرار الأوامر. إنها تحتاج دائماً إلى أن تظهر، لأن ظهورها نفسه جزء من سلطتها. ولو فقدت هذا الحضور الطاغي، لتكشفت هشاشتها بسرعة.
وهنا تكمن قوة الرمز. ملكة القلوب لا تمثل فقط حاكمة قاسية، بل تمثل نوعاً من الحكم يقوم على الاستعراض الدائم للسلطة. الحكم هنا لا يرتكز على قاعدة، بل على رهبة. لا يعتمد على مؤسسة، بل على مركز يفرض نفسه باستمرار. ولهذا يبدو قوياً في الظاهر، لكنه يبقى ضعيفاً في العمق، لأن كل شيء فيه معلق على الحضور المباشر للسلطة، لا على نظام يمكنه أن يعمل وحده.
إذا نقلنا هذه الفكرة إلى الواقع السوري، فإن السؤال الأساسي لا يصبح فقط : من يحكم؟ بل : كيف يحكم؟ فالمشهد السوري، خصوصاً بعد التحولات الكبرى، مليء بالحركة والقرارات والتصريحات والوعود بإعادة البناء. وهذا أمر طبيعي في أي لحظة انتقالية. لكن كثرة الحركة لا تعني بالضرورة أن هناك نظاماً مستقراً يتشكل. أحياناً تكون الحركة نفسها دليلاً على أن القواعد لم تستقر بعد، وأن السلطة ما زالت بحاجة إلى أن تؤكد نفسها في كل لحظة.
هنا تصبح صورة ملكة القلوب مفيدة جداً. فهي تذكّرنا بأن السلطة قد تكون صاخبة جداً، لكنها ليست بالضرورة راسخة. قد تبدو قادرة على السيطرة على المشهد، لكن ذلك لا يعني أنها نجحت في بناء دولة. فهناك فرق كبير بين سلطة تملأ المجال العام بالحضور والتدخل، وبين دولة تُبنى على مؤسسات، وقوانين، وإجراءات واضحة. الأولى قد تفرض نفسها بسرعة، أما الثانية فتحتاج إلى وقت، لكنها وحدها القادرة على إنتاج استقرار فعلي.
وفي هذا المعنى، تكمن خطورة النموذج الذي تمثله ملكة القلوب. الخطر ليس فقط في شدتها، بل في أن الحكم معها يبقى رهين المزاج واللحظة والتوازنات، لا رهين القواعد. وعندما يحدث ذلك، يصبح الاستقرار هشاً، لأنه لا يستند إلى أرضية ثابتة. فكل شيء يبدو قائماً، لكن كل شيء أيضاً قابل للاهتزاز إذا تغيرت الظروف أو تراجع الخوف أو اختل ميزان القوة.
في نهاية القصة، تصل أليس إلى لحظة وعي حاسمة. تدرك أن هذا العالم الذي بدا مخيفاً ومتماسكاً ليس صلباً كما تخيلت. وعندما تتوقف عن الخوف، يبدأ كل شيء بالتفكك. هذا لا يعني أن السلطة كانت وهماً كاملاً، بل يعني أن قوتها كانت أكبر في المظهر منها في الأساس. وهذا هو الدرس الأهم :
السلطة التي تعتمد على الخوف أكثر من القاعدة، وعلى الحضور أكثر من المؤسسة، قد تبدو قوية، لكنها لا تنتج نظاماً مستقراً.
ومن هنا يمكن القول إن أليس في بلاد العجائب تساعدنا فعلاً على فهم طبيعة الحكم في سوريا، لا لأنها تقدم وصفاً مباشراً للواقع، بل لأنها تكشف آلية عميقة من آليات السلطة، فحين تكثر الأوامر، ويعلو الصوت، ويشتد الحضور، لا يكون ذلك دائماً علامة قوة، بل قد يكون أحياناً علامة على أن النظام الحقيقي لم يُبنَ بعد. وبين سلطة تملأ المشهد، ودولة تؤسس القاعدة، يكمن الفرق كله.