
هل هناك فُرَصٌ لحلٍّ سياسي
اليوم في سورية بمعطياتها الجديدة، وتحديداً في السويداء وأمام وبصدد تيار (الهجرى) ونَزَعاته ورغباته اللاوطنية واللاعقلانية، فهل هناك مجال وفُرَصٌ أمام السلطة المركزية في دمشق لكي تتعاطي مع ما يجري في السويداء لإنهاء التوتر و لضبط الأمور بحل سياسي؟
بداية، لم نأت على ذكر الطائفة الدرزية ولم نشمل محافظة السويداء بل افترضنا أن الطرف المناوئ والمناكف والمقابل للحكومة في دمشق والمعني بحديثنا هو تيار محدد وبزعامة ما يوصف بشيخ العقل (حكمت الهجري).
بعد سقوط النظام السابق، الذي تمثل بهروب رئيس النظام من دمشق وهروب عصابات وميليشيات وشبيحة النظام المخلوع كافة من جميع مناطق سورية، ثم انكفاء الشبيحة وغلاة المواليين وانحسارهم ضمن حيّزات جغرافية محددة، وبموازاة هذا الخضمِّ المضطرب وهذا التحول الفارق فقد تصدرت في دمشق سُلْطة بوصفها قيادة مؤقتة لمرحلة انتقالية.
بعد هذا مباشرة تطاولت رايات الإشهار وارتفعت أصوات النفير والتحشيد واشتغلت ماكينات الاستقطاب وبدأ الشد والتجاذب والتدافع فطَفَت على السطح تجمعات وتكتلات طائفية وإثنية وأقلويّة، وكان من بين هذه التكتلات العصبوية تيار وتجمّع ينحدر من الطائفة الدرزية وهو بزعامة وقيادة الرئيس الروحي لدروز سورية الشيخ حكمت الهجري.
إن تيار وتجمع الهجري ومعه الملتفّون حوله والمؤيدون له أظهر توجّهاً مختلفاً عما كان يبديه أمام النظام السابق، وأعلن التيار عن نوايا وصرّح بأهداف خارجة عن إطار وسقف الوطن السوري و نتيجة لذلك فقد بدأ التيار وميليشياته بالقيام بممارسات غير وطنية ولا قانونية ثم تطورت إلى اعتداءات وتعقّدت لكي تصبح مشروع صراع طائفي مفتوح،
وإذا أردنا تشخيص المسألة والنظر فيها وتقييم طرق التعاطي الحكومي معها ومحاولة اقتراح حلّ وعلاج فإننا سنبدأ من تقييم وتحديد المشكلة وهي تتلخص وتتركز في مطالبات تيار الهجري والتي يمكن أن نقسمها إلى قسمين:
أولاً: القسم الأول وهو طلبات ورغبات يمكن وصفها بالطبيعية والمنطقية وضمن حدود الوطن والوطنية وقد تُشاركُ في طلبها تجمعات أو تيارات وهيئات وأحزاب سورية أخرى، مثل:
1- المطالبة بوجود انتخابات واشتراط القيام بها للاعتراف بالحكومة وبالرئيس.
2- المطالبة بتطبيق التكنوقراط والمؤسساتية وتحسين الخدمات وإلى ما هنالك.
هذه المطالبات ليست مستنكرة ويمكن مقاربتها وتفهمها بل مطالبة السلطة من قبل بعض التجمعات السورية الأخرى بمراعاتها وتلبيتها.
ثانياً: القسم الثاني ويتضمن مطالبات مستنكرة وناشزة عن السياق الوطني وغير قابلة للتطبيق إلا من باب ومن قبيل العدوان وإعلان الحرب على الوطن السوري وهذه المطالبات مثل:
1- المطالبة بتأسيس جيش خاص بالطائفة وبالمكون الدرزي وله رايته وأهدافه ونشاطه الخاص ومثل ذلك تأسيس قوات أمن خاصة بالطائفة.
2- المطالبة بعدم دخول أو تدخل السلطة أو الحكومة المركزية ومؤسساتها وهيئاتها وقواتها بشؤون السويداء وضمن حدودها الإدارية.
3- المطالبة بالانفصال التام والانعزال وتأسيس دولة مستقلة.
4- التواصل والتنسيق الدائم مع إسرائيل وتلقي الدعم المساعدات والمطالبة بفتح معابر وممرات تربط محافظة السويداء بإسرائيل.
5- المطالبة بإحداث تغيير ديمغرافي بل القيام بذلك فعلاً عن طريق الهجوم والعدوان وممارسة العنف وجرائم الحرب وتشريد ثلث أهالي وسكان السويداء من أبناء العشائر العربية (أو ما يعرفون بالبدو) ثم المطالبة بإبقائهم نازحين مشردين.
ولا شك أن هذا القسم من المطالبات والرغبات والشطحات هي عدوان سافر وصريح وهو مستنكر وأغلبية الشعب السوري تعتبر أن هذه المطالب بمثابة شن حرب على سورية مع الاستقواء والاحتماء بعدو محتل للأراضي العربية والسورية.
ولابدّ من الإشارة بقوة ووضوح إلى العدوان الذي قام به تيار الهجري ومؤيدوه ضد المكونات السورية الأخرى والإشارة إلى الدعم العسكري والميداني الإسرائيلي المباشر لهذه الميليشيات الطائفية واشتراك القوات الاسرائيلية في المعارك.
والآن: كيف تعاملت الحكومة السورية مع هذا التيار وماذا قدمت من حلول؟
الحكومة تواصلت ولا تزال، مع قيادة هذا التيار بجميع الطرق والوسائل والأقنية والوساطات الداخلية والخارجية.
لازالت الحكومة تحاول استيعاب هذا التيار الذي يقدم نفسه ممثلا لكامل الطائفة الدرزية – خاصة انه لم تظهر له أي معارضة معتبرة ضمن أوساط الطائفة – وبقيت الحكومة تحاول استرضاء الطائفة وجذبها.
رغم أن ميليشيات هذا التيار مارست العدوان وشنت الحرب فإن الحكومة لم تستخدم القوة المتاحة والمتوفرة ضده بل إن القوات الحكومية قامت بالفصل وامتصاص ومنع الهجمات المعاكسة للعشائر وردات الفعل على الهجوم والاعتداء والقتل والتشريد الذي مارسته ميليشيات تيار الهجري ضد أبناء المكون الآخر.
قامت الحكومة بفتح الممرات وحمايتها وتأمين سلوكها وجريانها وواصلت تقديم الدعم والمساعدات وتسهيل تقديمه من قبل أي جهة أو منظمة أخرى غير حكومية أو سورية.
ما يزيد المسألة تعقيداً وصعوبة هو التدخل الإسرائيلي وقيام إسرائيل بتقديم الدعم والمساندة وتقديم الدعم المعنوي والسياسي والضغط على الحكومة وإرهابها بهدف ابتزازها وإخضاعها وانتزاع بعض النقاط والمكتسبات لصالح تيار الهجري ومواليه.
ولذلك أي بفعل الدعم الاسرائيلي فإن قيادة تيار الهجري قد رفضت جميع طروحات واقتراحات الحكومة السورية وتغافلت عن مساعدات الحكومة وتساهلاتها وجحدتها واستمرت في مطالبتها وإعلان رغبتها إما بالانفصال العلني والصريح أو بانفصال ضمني ولكن غير معلن حيث تتم ممارسة الانفصال فعليّاً ولكن تحت مسمّيات أخرى مثل (اللامركزية).
ماذا تستطيع الحكومة أن تفعل؟
الحكومة أمامها خيار وطريق واضح وراجح للتعامل مع تيار كهذا وتتلخص الخطوات بما يلي:
الكف نهائيا عن محاولة استرضاء هذا التيار لأنه لن يرضى.
التسلّح بمضمون وبنصوص القوانين العالمية والمعمول بها في أشهر الدول وبالقانون الدولي ومبادئ ولوائح الأمم المتحدة ومنظماتها وذلك للقيام بتطبيق القانون ومنع الاعتداء والعدوان ومحاسبة المسؤولين والمسببين للصراع الأهلي والطائفي ونسف استقرار دولة عضو بالأمم المتحدة.
الإعلان عن القيام والقيام فعلاً بالعدل والمعاملة بالمثل وخاصة بتقديم الدعم حيث يتم تقديمه لجميع المحتاجين في سورية وخاصة ثلث سكان السويداء الذين قامت ميليشيات الهجري بطردهم من بيوتهم وقراهم وبتشريدهم، ودعمهم ومساعدتهم هم وسكان المخيمات الذين شردهم النظام السابق ولازالوا مشردين، أسوة بأهالي السويداء.
عدم الاهتمام والاكتراث لمطالبة الميليشيات الطائفية بالانفصال التام وذلك:
أولاً: لأن الانفصال التام بالنسبة لسورية أكثر فائدة وإيجابية وأخف ضرراً وسلبية من تطبيق اللامركزية المخادعة التي هي عبارة عن (انفصال طُفَيلي).
ثانياً: لأن الانفصال التام وإحداث تأسيس دولة جديدة سوف يفرض تدويل المسألة وإشراك دول إقليمية بالمحاولة الجادة للحل بمنع تحقيق الانفصال.
ثالثاً: لأن الدول والأطراف الداعمة للميليشيات والمتظاهرة خداعاً بالدفع نحو الانفصال التام لن تحقق الانفصال لمن يطالب به لأنه باهظ الكلفة وبالغ النفقات ودون أي فائدة أو جدوى وسوف يفقدهم هذه الميليشيات والتيارات الأقلويّة كأدوات لعب وضغط داخل سورية.
وبالطبع إن تصرفاً حازماً كهذا من قبل الحكومة يتطلب ممارسة ضغط وهذا بدوره يتطلب وجود قوة وأوراق ضغط، نعم، وإن كل ذلك يمكن تأمينه عن طريق إعادة تسليح المكونات الأخرى المتاخمة والمتفاعلة والمشتبكة مع هذه الميليشيات وتسليحها سوف يشكّل ردعاً موازياً وتوازناً ذاتياً وهذا ما سيخفف من صعوبة قيام القوات الحكومية بالفصل وفرض وقف إطلاق النار بوجود ضغوط انتهازية من قبل أطراف خارجية.
وطبعاً سوف يمانع اللاعبون الداعمون للميلشيات تسليح المكونات الأخرى المصادمة لتيار الهجري الطائفي.
نعم صحيح، ولكن عند ذلك يمكن للحكومة أن تتسلح بالقانون وبخطاب سياسي متوازن وإعلام دبلوماسي رصين وتطالب بحزم بنزع سلاح ميليشيات الهجري الطائفية أسوة بغيرها وتحقيقاً للأمن والاستقرار الوطني والسلم الأهلي وهذا مطلب منطقي وعقلاني مفحم في جميع المحافل والمنابر الأممية وأمام شعوب الأرض.
إضافة إلى كل ما تقدم يمكن للحكومة بل يجب عليها أن تقوم بإصلاحات بنيوية عميقة ترضي أغلبية الشعب السوري الثائر والأصيل، ثم عليها محاولة التواصل مع تيارات أخرى من الطائفة الدرزية والتفاوض الموضوعي الجاد معها والاتفاق معها ممثِّلةً للطائفة وذلك لعزل تيار وميليشيات الهجري.