
هل تملك الأحزاب السورية الناشئة مقومات الفعل السياسي الحقيقي
منذ سقوط النظام البائد في سوريا بدأت تظهر على الساحة السياسية بوادر تشكيلات حزبية جديدة تطمح لأن تكون بديلاً حقيقياً يواكب تطلعات الشارع السوري. لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم
هل تمتلك هذه الأحزاب الناشئة المقومات الأساسية التي تجعل منها قوى فاعلة في بناء مستقبل البلاد وهل استطاعت أن تتجاوز أخطاء الماضي وتفهم الواقع السوري المتشظي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً
أولاً: الفهم العميق لبنية الواقع السوري
قوة أي حزب سياسي لا تنبع من خطابه الأيديولوجي فقط بل من مدى قدرته على فهم الواقع المركب الذي يتحرك فيه الواقع السوري بعد سنوات من الحرب والانقسامات لا يمكن تبسيطه إلى شعارات عامة فاحتياجات الشارع السوري باتت متعددة ومتشابكة بدءاً من تأمين لقمة العيش مروراً بالحريات العامة وصولاً إلى استعادة الكرامة والعدالة
تُظهر التجربة أن كثيراً من الأحزاب الناشئة لم ترتقِ بعد إلى هذا المستوى من الفهم فمعظمها ما زال يتحرك ضمن أطر ضيقة تارة مناطقية وتارة طائفية أو أيديولوجية مغلقة الأمر الذي يجعلها عاجزة عن التعبئة الجماهيرية الحقيقية لأن الشارع لم يعد يؤمن بالشعارات بل ينتظر حلولاً ملموسة ومعالجات واقعية
ثانياً: القدرة على تعبئة الشارع من حاجاته لا من فوقه
الحزب الذي لا يتقاطع مع أولويات الناس اليومية من الخبز إلى الحرية لا يستطيع العبور إلى قلوبهم. فالتعبئة اليوم ليست مسألة حشود وشعارات بل قدرة على الترجمة السياسية لحاجات الناس المتغيرة وهنا تفشل معظم التشكيلات السياسية السورية الجديدة لأنها لم تنشأ من رحم الشارع بل غالباً ما فُرضت عليه من مراكز فكرية أو مشاريع خارجية فغابت عنها العفوية والارتباط الحقيقي بالمجتمع
من جهة أخرى نجد أن الأحزاب التي حاولت الاقتراب من الواقع المعاشي اصطدمت بعجز تنظيمي أو بالخشية من الانفتاح على قضايا الحريات العامة فتبددت ثقة الشارع بها سريعاً
ثالثاً: نظام داخلي يضمن المبادرة واللامركزية
من أبرز ما يميز الأحزاب القوية هو وجود نظام داخلي ديمقراطي يتيح لأعضائها ومكاتبها حرية المبادرة والتعبير بما ينسجم مع استراتيجية الحزب العامة دون أن يقمع الإبداع أو يحصر القرار في دائرة ضيقة وهنا تكمن معضلة أخرى للأحزاب السورية الناشئة إذ إن كثيراً منها ما زال محكوماً بعقلية المركزية الشديدة بل وبعضها يعيد إنتاج ذات الممارسات السلطوية التي كان ينتقدها في النظام السابق
غياب الديمقراطية الداخلية والتعدد في الرأي أفرز ضعفاً في الأداء السياسي والتنظيمي وأدى إلى انقسامات داخلية أو جمود حزبي يقتل الحيوية المفترضة في الأحزاب الجديدة
خاتمة: الطريق ما زال طويلاً
إن قراءة متأنية للمشهد الحزبي السوري الناشئ تكشف عن بدايات لم تكتمل وعن محاولات جدية في بعض المواقع لكنها ما زالت محدودة وغير ممنهجة الطريق نحو حزب سياسي فاعل في سوريا يتطلب ما هو أكثر من النية الحسنة يتطلب عقلاً سياسياً مرناً نظاماً داخلياً ديمقراطياً وانخراطاً صادقاً في هموم الناس اليومية
المسؤولية لا تقع فقط على عاتق هذه الأحزاب بل على كل القوى الاجتماعية والثقافية التي عليها أن تطالب ببيئة سياسية نظيفة تتيح لهذه الأحزاب أن تنمو وتتجذر بعيداً عن الاستقطاب والإقصاء والتبعية.