
هل النظام الاجتماعي الليبرالي يمكن تبنيه في سورية؟
سؤال سألني إياه أحد الأصدقاء، وألحّ عليّ في الإجابة. ووعدته إنني سوف أُبدي وجهة نظري من واقع معرفتي الاقتصادية والسياسية بهذا الشأن. لا أعرف إذا كان صاحبي يعي تماماً معنى هذا النظام ودلالاته السياسية والاقتصادية والثقافية لو طُبّق، وهل يتناسب مع ثقافة وخلفية الشعب العربي في سورية. والجواب المبكر نعم. وربما هو أفضل خيارٍ منطقيٍ اليوم.
وهذا الإلحاح فرض عليّ التزاماً أدبياً، أن أبحث له عن جواب.
بدايةً، بالرجوع إلى جذر الكلمة الأصلية بالإنكليزية وهي (Liberal Social System) أي النظام الاجتماعي الليبرالي. وهو نوع من الأنظمة السياسة والاجتماعية، الذي يمزج بين شيء من الشيوعية بنسختها الملطفة (الاشتراكية)، أي بمعنى أوسع مشاركة شعبية سياسية ممزوجة بمنتج من الرأسمالية بشكلها المعاصر، أي (الاقتصاد الحر) أو بكلمة أ خرى حرية السوق المنضبطة.
من اسمه، هذا النظام يجمع بين الاقتصاد الحر وبين الاشتراكية الاجتماعية، حيث تكون المسؤولية الاجتماعية للنظام أي العدالة الاجتماعية بمثابة قيد سياسي يراقب ويصحح السياسات الاقتصادية ويربطها بأهداف اجتماعية إنسانية. وهنا، نحن الاقتصاديين نركّز على حرية الاقتصاد في الإنتاج والعمل في هذا النظام، الذي يقوم عليه النشاط الوطني عامة. ومن ثمار هذه حرية السوق المنضبط تؤخذ نسبة من الأرباح الوطنية (وليس فقط أرباح لشركات) لتمويل جوانب وأنشطة العدالة الاجتماعية للمواطنين ضمن إطار من الرقابة الديمقراطية لحماية الفئات الضعيفة من الفقر والبطالة، وكذلك في تحسين توزيع الدخل.
وكما أعرف فإن معظم الدول الاوربية تطبّق هذا النظام بشكل أو بآخر، وحتى الولايات المتحدة تطبّق نسخة قريبة منه، دون أن تعترف ثقافياً بذلك. وللعلم فإن سورية أيام نظام الأسد الابن قد روّجت لفكرة “اقتصاد السوق الاجتماعي” (ولكن بدون تحديد ملامحه السياسية والاقتصادية الحقيقية).
وبقناعتي فإن هذا النظام الاجتماعي الليبرالي هو بحد ذاته نظامٌ جيّدٌ ومعقولٌ. ولكن حسن تطبيقه يتطلب قيام دولة ديمقراطية فعلية، وحرية سياسية حقيقية. وإلا أصبح عنواناً فارغاً يستظلّ به الطغيان والفساد وتوقف التنمية الفعلية. بل إنه سوف يسمح للحكومة بالتغوّل على الوطن والناس للترويج لمكاسب وهمية تعزز سلطة الاستبداد، إذا لم تقم دولة ديمقراطية قبل البدء بتطبيقه. وأظن أن المجتمع السوري متفقٌ ضمناً، ويتقبل وجود هذه المزاوجة بين الاقتصاد الحر والعدالة الاجتماعية معاً، ونستبق الإجابة بأن هذا النظام متجذرٌ في هيكلية الدولة السورية (لكن بدون إشهار هذا الاسم السياسي بوضوح) وليس غريباً عنها كلياً.
وهل صيغة النظام السياسي في المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام الأسد يوم 8 كانون الأول عام 2024 تماثل هذا النظام المقترح؟ أكاد أجزم إن الحكومة الانتقالية حالياً، لاتزال تائهةً في حواري دمشق تبحث عن الرؤية المستقبلية للاقتصاد وللمجتمع، وعن مصادر الشرعية السياسية الفعلية. ولن تصل إليها إلّا بانتهاج الممارسة الديمقراطية الشاملة وليس الانتقائية.
ولو طُرح هذا النظام أمام السوريين بمكوناته الكاملة الحقيقية، فإني على قناعة أنه سيجد قبولاً وتأييداً، لأنه أقرب الأنظمة للنفس البشرية. وتبريري لذلك أن المجتمع السوري قد عرفه عن قرب من حكم الاستبداد بصيغته الفاسدة أي (الاجتماعي). فهو لم يعترض على مبدأ الاجتماعي، أو الاشتراكية، وإنما على أسلوب التطبيق السيء، الذي أدى إلى بعض الكراهية للجوانب الفاسدة منه. وربما أحد مزايا هذا النظام أنه يعزّز كيان الدولة السورية، ويحترم أولويات الناس الثقافية والتراثية، ويحقّق توازناً بين الحق الفردي بالعمل والربح، وبين الواجب الإنساني بالعدالة الاجتماعية.