هكذا تربيت

0

رشقة رصاصات.. سُمعَت مكتومة.. دقائق وتصاعد دخان من نوافذ المبنى القريب.. عقباناً أسرعوا وأحاطوا بالبناء، وتسللوا إلى الداخل… النار تعسّ وتنتشر في الدور الأرضي.. نادوا… لم يجب أحد.. صعدوا إلى الطابق الثاني.. الباب مهشّم ومفتوح على مصراعيه، ورائحة بارود وغاز تعبق في الأرجاء. تلثّموا واقتحموا الشقة…

في صدر الصالة امرأة عجوز على كرسي متحرك ألقت رأسها إلى الوراء، وتأرجحت يداها على الجانبين، وشريط من دم مازال طريّاً ولزجاً يصبغ الأرض، ونشيج مبحوح يتناهى…

دخل شاب إلى المطبخ وأطفأ الموقد.. بحثوا في الغرف وفي الحمام وجدوها تتكور في الزاوية.. تفاجأت.. ارحموني لا تقتلوني.. هدّؤوها وطمأنوها.. لا تخافي يا صغيرتي نحن أهلك، تقدّم أحدهم وحملها بين يديه، وسألها: مَن معك هنا؟

– جدتي

– وما الذي حصل…؟

– سمعنا صوت رصاص واستغاثات تأتي من تحتنا، وشممنا روائح كريهة، ثم طرقاً على الباب.. افتحوا… صمتنا.. ركلوه بعنف فانفتح.. وحوشاً دخلوا.. قالوا لجدتي: أين اختبؤوا يا عاهرة؟ أجابتهم لا يوجد غيرنا. وضع رجل، له رأس كبير ولحية تيس، فوهة بندقته في رأسي والباقون راحوا يعبثون في الغرف.. كنت أسمع حركات التخريب.. لم يجدوا أحداً.. كرّر السؤال: أين زوجك؟

– توفي منذ عشرين سنة

– وأولادك؟

– اثنان مهجّران، وثالث شهيد

– بل قتيل، أين قُتل؟

– لا أدري، كان مع الجيش الحر

– تكذبين يا شمطاء، لن نصدقك، ومن هذه؟

– ابنة الشهيد، أرجوك لا تؤذيها

كنت أرتجف بشدة.. وسألني أين أبوك يا حلوة؟

– استشهد…

– وأعمامك؟

– مسافرون…

– وأمّك؟

– ذهبت لتطمئن على جدي المريض، وتشتري خبزاً

– متى؟

– منذ الصباح الباكر

– أتقولين الصدق؟

– نعم، علمتني أمي أن الكذب عيب

هدّدوا جدتي بقتلي أمام عينيها.. رجتهم الرحمة بي…، وتقدم أحدهم ونزع غطاء رأسها، وأمسكها من شعرها وهزّها بقوة، ولكمها على فمها فسقط طقم أسنانها في حضنها.. قولي الحقيقة وإلّا ذبحناها قدام ناظريك. أقسمت: لم أكذب.. فصفعها، وركل كرسيها فتدحرج وارتطم في الجدار.. كادت تقع على وجهها.. أمره أن يقضي علي.. أشهر سكينه.. شعرت بقلبي مطرقة تدقّ… صرخت جدتي أرجوك … قال: اتركها لترى جدتها وهي تتلوى قبل أن تلفظ أنفاسها، وأخذ يضربها بكعب بارودته على رأسها وكتفيها وأنفها ويديها وبطنها وهي تتألم والدم يغطي وجهها حتّى تهالكت وارتمى رأسها إلى الخلف، وتدلت يداها… ولمّا شخرت… أطلق رصاصة في صدغها، وغادروا…

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني