لم يكن فجر الثامن والعشرين من فبراير مجرد بداية مواجهة عسكرية جديدة في الخليج، بل لحظة أدرك فيها العالم هشاشة نظام إمدادات الطاقة العالمي. فمع اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى لم تعد الانفجارات وحدها مصدر القلق، بل الأرقام المتصاعدة على شاشات البورصة وأسعار الوقود التي بدأت تشتعل من طوكيو إلى نيويورك.
في مركز هذه الأزمة يبرز مضيق هرمز، ذلك الممر البحري الضيق الذي يحمل فوق أمواجه نحو خمس استهلاك النفط العالمي يومياً. وبمجرد أن تعثرت الملاحة فيه تعرض الاقتصاد العالمي لاضطراب واسع فالمضيق ليس مجرد ممر بحري بل هو الممر الرئيسي الذي يربط منتجي الطاقة في الخليج بالمستهلكين في العالم.
قبل اندلاع الشرارة بأيام كان سعر برميل “برنت” يحوم حول مستويات مستقرة نسبياً عند 82 دولاراً. ومع الايام الأولى لإعلان المنطقة ساحة عمليات عسكرية ارتفعت الأسعار بسرعة لتتجاوز حاجز 120 دولاراً للبرميل. ورغم أن هذا الرقم يبدو أقل حدة من توقعات المتشائمين إلا أنه يمثل “زيادة التأمين على الناقلات ” زيادة مرعبة في سوق الطاقة حيث يحذر الخبراء من أن استمرار الإغلاق ولو جزئياً سيجعل كسر حاجز الـ 150 دولار مسألة أيام فقط مع احتمال التدحرج نحو مستويات تاريخية إذا ما طال أمد النزاع.
تكمن خطورة مضيق هرمز في أنه لا يملك بديلاً سريعاً إذ تعتمد معظم صادرات النفط الخليجية عليه، مما يجعل أي اضطراب في الملاحة عبره ينعكس فوراً على أسعار الطاقة والأسواق العالمية. وقد بدأت هذه التداعيات بالظهور سريعاً، خصوصاً في دول آسيا مثل الصين والهند واليابان التي تعتمد على نفط الخليج لتأمين أكثر من 70% من احتياجاتها، حيث أدى ارتفاع تكاليف الشحن البحري وزيادة التأمين على الناقلات إلى دفع أسعار السلع الغذائية والأساسية نحو الارتفاع مما ينذر بموجة تضخم قد تمس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في عدد من الدول الكبرى.
ولم تقتصر الأزمة على النفط وحده بل طالت الغاز الطبيعي المسال إذ يمر عبر المضيق ربع تجارة العالم من هذه المادة الحيوية. ومع تعثر الإمدادات بدأت أسعار التدفئة والكهرباء في أوروبا تقفز لمستويات مقلقة مما يضع الصناعات الثقيلة أمام خطر التوقف أو خفض الإنتاج ويزيد من احتمالات دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة ركود اقتصادي حاد.
إن إغلاق مضيق هرمز أو حتى التهديد الجدي بذلك هو بمثابة “خيار شمشون” الذي قد يسبب أزمة اقتصادية عالمية واسعة على رؤوس الجميع. العالم الذي لم يتعافَ تماماً من هزات العقد الماضي يقف اليوم أمام اختبار صعب فإما التوصل لتهدئة سريعة تضمن تدفق الطاقة أو الدخول في مرحلة من الكساد الكبير الذي قد يغير الخارطة السياسية والاقتصادية لسنوات طويلة قادمة. السؤال الآن لم يعد عن موعد توقف أزيز الرصاص بل عن قدرة العالم على الصمود دون “ممر الطاقة العالمي” الذي ينقل إمدادات الطاقة إلى الأسواق العالمية.