
انتظر أبو فوّاز وحيده.. كان يتحرّق على جمر نار…، ولمّا أقبل صرخ في وجهه: نصحتك.. وحذّرتك.. كرامتنا هي الأغلى ولا يخدشها شاذ مثلك.. هذا البيت لا يتسع لأمثالك.. تناول بندقيته.. أبي! … صوّبها نحوه.. أطلقها على رأسه.. ترنّح.. تهاوى… عادت به رؤية دمه يمتزج بالتراب إلى أيام عتاب أمّه، وضحكة أم عامر، وخرافه النازفة…
خمس عشرة سنة ينعتونه “أبو البنات” وهو يترقب قدومه.. سمعها مراراً وكظم حرقة في صدره ” يا بخت مَن يتزوّج إحدى فتياته…” وكم أغلق أذنيه على رجاء أمه: “طلّقها.. إنها لا تنجب غير الإناث.. صغيراتك يحتجن مَن يعضدهن”، وإذا أجبرته أن يتخلّى عن صمته يجيب: ستفرج… “إنه قدرنا.. وليس ذنبها يا أمّاه”، وهي تدعو له وتنذر النذور أن تقرّ عيون حفيداتها بأخ يشدّ من أزرهن وينصرهن…
وبعد لأي – وانتظار وسبع طفلات – أقبلت الدّاية أم عاطف مستبشرة تحمل صورة وزغردت.. بشراك أبا فوّاز… تناوله من يدها ودمع يترقرق في مقاتليه وتمتم “حمداً لك ياربّ أصبحت أبا فوّاز حقاً” بينما بندقيتا عمّه وخاله تعلنان البشارة في سماء القرية. زفّته أخواته كعريس.. وذبح أبو فواز الخراف، وأولم لأهل البلدة، ورمّم المدرسة…
تربّى ” فوّاز” في بيت عزّ وجاه.. الجميع يدلله حتى المعارف والأصدقاء كلهم.. إنه وريث أبيه المعروفة سيرته بالكرم، والشهامة، والنخوة، وحلّال المشكلات…، وترعرع بين لداته قوي البنية، وبزّهم في السباقات. اعتدً بنفسه ولم يهتم بالدراسة والمدرسة.. يجتاز السنة باثنتين. تخلّف عن رفاقه تعليمياً، وعوّض ذلك بعنترية عضلاته.. تحاشاه أقرانه، واشتكاه كثيرون.. وبّخه أبوه مرات ومرات فلم يرتدع وازداد غيّاً.. احتار بأمره.. هدّده فردّ ساخراً: “أنا حرّ.. لم أعد صغيراً” يا ولدي: أراك تماديت حتى عليّ.. كفّ عن العبث.. هذا البيت بني على الاستقامة والسمعة الحسنة، ولم يصدر عمّن سكنه أذى قط.. لن أسمح لك بالتطاول على الآخرين.. فهمت؟ ابتسم وخرج دون أن يبدي اهتماماً بما سمع…
تحرّش بابنة صديق والده أمام الصبايا فشتمته وبصقت عليه.. صفعها ومشى غير آبه. جاء أقرباؤها إلى أبي فوّاز: ابنك تخطّى كلّ الحدود.. اعتدى على شرفنا جهاراً، وأنت لا ترضى أن نُهان، لم نقتصّ منه إكراماً لك.. لقد وصلت أفعاله خط النهاية، ولن نستطيع السكوت عنها بعد الآن…
وقف كالرمح وانطلقت الكلمات من فيه حادة كالسيف: كرامتكم من كرامتنا.. لا أسمح لولدي أن يمسّها بسوء، وأعدكم لن يفعلها ثانية.. إنّي – منذ اللحظة – أُهدرُ دمَه…
تراكض مَن سمع دويّ الرصاصة متسائلين… وجدوا “فوّازاً” مضرجاً بلا حراك وما زالت يد أبيه تشدّ على السلاح ودمعة حرّى تتحدر على خدّه.