من النوروز إلى وقف النار.. امتحان الدولة في شرق الفرات

0

قبل أن تُسمع أصوات الاشتباكات، كانت هناك إشارات سياسية لافتة لا يمكن تجاهلها. فقد أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسوماً تشريعياً منح الأكراد حقوق مواطنة متساوية، وأعاد الجنسية لآلاف المكتومين الذين حُرموا منها عقب استفتاء عام 1962، في خطوة طال انتظارها. كما جرى اعتماد 21 آذار/مارس عيد النوروز عيداً وطنياً وعطلة رسمية، في رسالة تعترف بالتعدد الثقافي بوصفه جزءاً من الهوية السورية. غير أن السؤال الذي يرافق هذه الخطوات، بهدوء ومن دون إنكار لأهميتها، هو ما إذا كانت ستتحول إلى ممارسة مؤسساتية راسخة، أم ستبقى محكومة بإرادة السياسة وظروف اللحظة.

ليس في المشهد السوري الراهن ما يشير إلى انزلاق نحو معركة مفتوحة، بقدر ما يعكس لحظة دقيقة لاختبار التوازنات. فبعد أيام من الاشتباكات بين الجيش العربي السوري وقوات سوريا الديمقراطية، توقفت النيران، وبدأ العمل على تثبيت وقف إطلاق النار، في إشارة إلى أن ما جرى لم يكن سعياً للحسم العسكري، بل ضغطاً محسوباً داخل سياق سياسي وأمني أوسع.

وجاء 18 كانون الثاني/يناير ليكرّس هذا التحول مع توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين مظلوم عبدي والرئيس أحمد الشرع، وهو اتفاق يُستقبل بترحيب حذر، لأنه يعيد الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها الإطار الجامع. ومع ذلك، يبقى التحدي الحقيقي في القدرة على ترجمة هذا الاتفاق من نص سياسي إلى واقع إداري وأمني واقتصادي، لا تفرغه التفاصيل أو الحسابات الضيقة من مضمونه.

ما حدث خلال الأسابيع الماضية يعكس طبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، حيث تتداخل الجغرافيا بالاقتصاد، وتتحول بعض المناطق إلى ساحات تفاوض غير معلنة. فشرق الفرات، بثقله النفطي والزراعي، ليس مجرد مساحة نفوذ أمني، بل عقدة اقتصادية لا يمكن تجاوزها في أي مشروع لإعادة توحيد الدولة أو إطلاق مسار تعافٍ حقيقي. لكن ربط هذه المنطقة بالمركز اقتصادياً ومؤسساتياً يظل مهمة معقدة، تصطدم بتراكم سنوات من الإدارة المنفصلة، ومصالح تشكلت خارج إطار الدولة.

اليوم، ومع الحديث عن تمكين الدولة من بسط سيطرتها على المحافظات الثلاث، يبرز سؤال الإدارة أكثر من سؤال السيادة. فالحضور الأمني وحده لا يكفي، ما لم يُستكمل بإعادة بناء الثقة، وضمان أن تكون مؤسسات الدولة قادرة فعلياً على استيعاب التنوع، لا مجرد فرضه من الأعلى. وهنا تحديداً تتسلل نبرة الشك: هل تملك الدولة اليوم الأدوات الإدارية والاقتصادية اللازمة لإدارة هذه المناطق بطريقة مختلفة عما عرفه السوريون سابقاً؟

لا يخلو الطريق من صعوبات، سواء في دمج القوى العسكرية ضمن المؤسسة العسكرية السورية، أو في إشراك الكوادر المحلية في مؤسسات الدولة، أو في تفكيك اقتصاد الظل. وهذه ملفات لا تُحل بالنيات وحدها، بل تحتاج إلى وقت، وضمانات، وآليات واضحة تحول دون العودة إلى منطق الإقصاء أو المركزية الثقيلة.

في المحصلة، تبدو المرحلة المقبلة فرصة حقيقية، لكنها ليست مضمونة. فالسلاح قد يفرض تهدئة، والسياسة قد تفتح باباً، لكن الاستقرار يتطلب صبراً وقدرة على التغيير. وبين التفاؤل الحذر والشك، يبقى الرهان على أن تتحول هذه الخطوات من وعود ممكنة إلى واقع قابل للحياة، يمنح السوريين أملاً لا يكون مؤقتاً ولا معلّقاً.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني