
مدن نجت من الحرب… لكنها لم تتعلم السلام بعد
دير الزور نموذجاً لمدن تستعيد ببطء مظاهر الحياة بينما تواصل الحرب العيش في تفاصيلها اليومية
في ساعات الصباح الأولى، تبدو شوارع مدينة دير الزور وكأنها تحاول استعادة إيقاعها الطبيعي، أو ما يشبهه على الأقل. محال تفتح أبوابها بتردد، وسيارات تصطف في طوابير طويلة لعبور المعابر النهرية بعدما بقيت الجسور خارج الخدمة، وأطفال يحملون حقائب مدرسية تبدو أثقل من أعمارهم بكثير. المشهد يوحي بعودة جزئية للحياة، لكنه لا يمنح شعور التعافي الحقيقي؛ فالمدينة لم تنهض عمرانيا بعد، والحرب ما تزال حاضرة في تفاصيلها الاجتماعية والنفسية.
في المدن الخارجة من النزاعات، تتركز جهود التعافي عادة على إعادة تشغيل الحد الأدنى الضروري من البنية التحتية: طرق قابلة للاستخدام، وشبكات مياه تعمل جزئيا، ومدارس تستأنف دوامها، وأسواق تعود إلى الحركة. هذا ما تصفه أدبيات التنمية الحضرية بمفهوم «الاستقرار الوظيفي»، حيث تستعيد المدينة قدرتها على الاستمرار اليومي دون معالجة الهشاشة العميقة في الثقة المجتمعية والمؤسسات؛ إذ إن إعادة بناء الحجر تسبق غالبا إعادة بناء الإنسان بسنوات طويلة.
في دير الزور يظهر هذا التناقض بوضوح لافت؛ فالحياة تعود تدريجيا إلى الأسواق، لكن علاقات الثقة السابقة لم تعد كما كانت. سنوات النزاع أعادت تشكيل الشبكات الاجتماعية؛ فالهجرة والنزوح والفقدان والانقسامات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لم تغيّر تركيبة المجتمع فحسب، بل أعادت صياغة قواعد التفاعل اليومي. لم تعد المدينة مجرد حيز جغرافي، بل أصبحت فضاءً مثقلاً بذاكرة جماعية لم تتعافَ بعد.
إن الصدمة الجماعية لا تنتهي بانتهاء العمليات القتالية، بل تستمر في أنماط السلوك اليومي: حذر دائم، وانكفاء نحو الدوائر الاجتماعية الضيقة، وتراجع ملحوظ في الثقة بالمؤسسات. كما تغيرت وظيفة الفضاءات العامة؛ فالأماكن التي كانت مساحات للقاء الاجتماعي تحولت، بفعل الدمار الواسع، إلى نقاط عبور سريعة تفتقر إلى الحياة المشتركة، مما يعمق الانغلاق الاجتماعي ويؤخر استعادة الشعور بالمجتمع الواحد.
ورغم عودة آلاف العائلات، فإن العودة بحد ذاتها لا تعني التعافي التام. وتظهر آثار هذا التعافي الهش في التجارب الفردية اليومية؛ ففي أحد أحياء دير الزور المنكوبة، حيث كانت الجدران تحمل يوما رسومات أطفال بالطباشير، يعيد أب عائد منذ أشهر بعد سنوات من النزوح بناء سقف غرفة واحدة بيديه مستخدما حجارة من بقايا منزل مجاور انهار تحت القصف. ومع تضاعف الإيجارات أكثر من ثلاث مرات منذ نهاية عام ألفين وأربعة وعشرين، لم يعد أمامه سوى إعادة البناء الفردي، بينما تنتظر المدينة توجيه موارد كافية لإصلاح الشوارع وشبكات المياه والكهرباء، لا سيما بعد استئناف الإنتاج في عدد من الحقول النفطية شرق البلاد، أملاً باستعادة جزء من الأمن الاقتصادي للسكان.
وفي السوق، تروي امرأة بصوت مرتفع تفاصيل عودة عائلتها ومعاناتهم اليومية، وفي الريف الشرقي للمحافظة أثار إغلاق الحراقات البدائية توترا محليا بعدما فقد كثيرون مصدر رزقهم دون توفر بدائل فورية. الثقة هنا تعود ببطء، خطوة تلو أخرى، لكنها ما تزال هشة، أشبه بزجاج مكسور أُعيد لصقه؛ يبدو متماسكا من بعيد، لكن أول لمسة تكشف شقوقه العميقة.
لا يزال الاقتصاد المحلي يعاني من الهشاشة، وفرص العمل محدودة، والخدمات العامة غير مستقرة، وسط آمال معلقة بتخصيص جزء من الموارد لعمليات الإعمار المحلي. إن نجاح العودة لا يقاس بعدد العائدين فحسب، بل بقدرة المدينة على توفير حياة آمنة ومستقرة وقابلة للاستمرار على المدى الطويل.
تكشف تجربة دير الزور حقيقة أوسع تتكرر في مدن عديدة: إعادة بناء الحجر يمكن أن تتحقق خلال سنوات قليلة، أما إعادة بناء الإنسان فتتطلب زمنا أطول بكثير، وربما جيلاً كاملاً. فالسلام ليس مجرد حدث سياسي يُعلن عنه، بل هو عملية يومية تُبنى عبر العدالة المحلية، واستقرار الاقتصاد، وعودة المساحات المشتركة التي تسمح للناس بإعادة اكتشاف ثقتهم ببعضهم بعضاً.
لهذا السبب، تبدو دير الزور اليوم مدينة تقف على عتبة مرحلة انتقالية دقيقة؛ لم تعد مدينة حرب كما كانت، لكنها لم تصبح بعد مدينة سلام مكتملة الأركان. إنها مثال حي لمدن استعادت مظاهر الحياة دون أن تستعيد شعورها العميق بالأمان. وربما لا يكمن التحدي الحقيقي في كيفية إعادة إعمار المدن ماديا، بل في كيفية مساعدتها على تعلم العيش مجددا خارج منطق الحرب.
فالمدن لا تتعافى حين تُصلح شوارعها فقط، بل حين يستطيع سكانها السير فيها دون أن يضطروا لحمل ثقل الماضي معهم في كل خطوة.