مجلس الشعب.. وكيف يجب أن يكون

0

إنّ مجلس نوّاب أو ممثّلي الشعب يشكّل ركناً أساسيّاً من أركان المسألة السورية بعد سقوط النظام الدكتاتوري البائد، ولقد أخذ شأن مجلس الشعب ومشروع تشكيله حيّزاً مستفيضاً من اهتمامات وتدوينات ومتابعات الناشطين من كافة الشرائح حتى ناهز الأمرُ حدَّ الإشباع،

ولذلك فقد اخترنا أن نأتي الموضوع وشأنه من ناحية مختلفة، وننظر فيه ونبحث ونعالج فيما نراه أخطر المحاور وأكثرها أهمية.

إنّ مجلس الشعب هو مطلبٌ أساسيّ لشعبٍ ثار وحارب من أجل الديمقراطية، وإنّه بندٌ رئيسيّ لبناء الدولة ومدخلٌ منطقيّ لشرعنة القوانين وحوكمة الإجراءات ومراقبة الأداء الحكومي، وهو الطريقة والأداة الوحيدة والأصيلة لشرعنة الاتفاقيات والمعاهدات وإكسابها المصداقية والتوثيق والضمان والإلزام. ولذلك فقد تعدّى موضوع مجلس الشعب بقاءه مجرّد مطلبٍ شعبيٍّ وداخليٍّ لكي يصبح مطلباً دوليّاً وخارجيّاً.

نعم، ولقد أصبح تشكيل ووجود مجلس الشعب يمثّل مؤشّراً أو علامةً من علامات نجاح الإدارة المؤقتة، خاصةً بعد موجاتٍ متتابعةٍ من الانتقاد وعدم اعتبار الإجراءات قانونيةً ولازمةً، بل طفا الطعن بصحّتها.

بعد كلّ هذا الإسهاب أصبح بالإمكان أن نفصّل في القضية ونتعمّق في الجانب المقصود. إنّ المجلس القادم والمزمع تشكيله لن يكون في هذه الفترة الانتقالية والتأسيسية منهمكاً في بحثٍ ونقاش الجوانب الخدمية ولا حتى المعيشية، بل سيكون أمامه القضايا التشريعية العليا مثل مسألة كتابة الدستور، وكذلك مصادقة المعاهدات والاتفاقيات ذات الصفة السيادية وشرعنة القرارات الوطنية، حيث إنّ سورية المحرّرة تحتاج بالضرورة إلى كتابة وصياغة دستورٍ وطنيّ، كما أنّ سورية – ولا شكّ – مقبلةٌ على توقيع اتفاقياتٍ مع الجانب الإسرائيلي تتعلّق بالجولان المحتلّ، وباتفاقية الهدنة عام 1974 وفضّ الاشتباك، ومناقشة حالة السلم والحرب مع إسرائيل، وكذلك حالة ومستوى الجيش السوري والتموضع والتسليح في منطقة الجنوب السوري، وما إلى هنالك من أمورٍ كهذه.

وكما يعلم الجميع فإنّ قضايا سياديةً ووطنيةً وحسّاسةً مثلها تتطلّب موافقة مجلس نوّابٍ وممثّلين عن الشعب السوري، بل ربما تتطلّب إجراء استفتاءٍ شعبيّ.

ولذلك فإنّ تشكيل مجلسٍ يمكن اعتباره مجلساً حقيقيّاً للشعب، بل كما ينبغي في هذه الفترة – فترة الانتقال والتأسيس والبناء – يجب اعتباره مجلساً وطنيّاً تأسيسيّاً، وإنّ تشكيل مجلسٍ كهذا يتطلّب ما يلي من الإجراءات والشروط:

يجب القيام بعمليات إحصاءٍ سكانيٍّ وطنيٍّ دقيقٍ للشعب السوري في الداخل والخارج.

يجب النظر في كامل ما طرأ على معدن وكتلة الشعب السوري الأصيل، وما استجدّ من تغييراتٍ ديموغرافية، ويجب بالضرورة ودون أي تمهّل إلغاء كامل الجنسيات التي تمّ منحها بعد تاريخ اندلاع الثورة السورية عام 2011، ومهما يكن من أمرٍ فيجب إسقاط حقّ الانتخاب ومنعه لكلّ من حصل على الجنسية بعد هذا التاريخ.

بشكلٍ قانونيٍّ ومنطقيٍّ ومبسّط، يجب إصدار قانونٍ صارمٍ بوضع شرطٍ أساسيٍّ للترشّح لعضوية المجلس، وهو وجود بيان عدم المحكومية (ما يُسمّى غير محكوم) وكذلك عدم المطلوبية والملاحقة والاشتباه، وذلك وفق جهازٍ قضائيٍّ وطنيٍّ وثوريٍّ يُجرى إنشاؤه وهيكلته وتنظيمه وتزويده بدوائر الدراسات والمعلومات، وذلك للمنع الجنائي والحجر السياسي بشكلٍ قانونيّ.

تحديد مجلسٍ موسّعٍ يزيد عن ثلاثمئة عضو وقد يصل إلى أربعمئة، أي نائبٌ واحدٌ لما مجموعه حوالي 70 إلى 80 ألفاً من تعداد سكان سورية.

يتمّ تسميتهم جميعاً ودون استثناء انتخابيّاً وعن طريق صناديق الاقتراع حصراً وبشكلٍ ديمقراطيٍّ نزيهٍ وشفّاف، وإذا لزم الأمر فهناك مقترحاتٌ وإجراءاتٌ يمكن القيام بها للتعاطي مع ظاهرة العشائرية أو المناطقية وغير ذلك ممّا يعيق النجاح الديمقراطي – إن وُجدت – ولكن لا نتوقّع إشكالية هذه الظواهر.

عدم تسمية ولو عضوٍ واحدٍ من أعضاء المجلس دون انتخابٍ وعن طريق التزكية أو التعيين من قبل أيّ جهةٍ كانت، وذلك أولاً لانعدام المبرّر، وثانياً لأنّ ذلك يثلم مصداقية المجلس وينسف المشروع الديمقراطي الذي كان من أبرز أهداف الثورة، ويُبطل نجاح المجلس في بلوغ أهداف وجوده.

– وبعد الانتهاء من الانتخابات وتشكيل المجلس يبدأ عمله، فما هو أفضل نظامٍ لكي يحقّق أهداف إنشائه؟

من صفات وميزات هذا المجلس القادم أنّه جديد، فلا أقدميّة لعضوٍ على آخر، وهو بكرُ العمل الديمقراطيّ الحرّ، وهو تأسيسيّ ومطلوبٌ منه بناء دولةٍ جديدةٍ وحديثةٍ بكلّ ما يتطلّبه ذلك، وهو ثوريّ ووطنيّ، أو يجب أن يكون كذلك لأنّ الثورة لا تزال يُهاجَم مشروعها وتُلتفّ على أهدافها، والوطن لا يزال مهدّداً بمحاولات التقسيم ومحاولات الإخضاع والابتزاز.

ومن صفات المجلس أنّه لا يضمّ أحزاباً وكتلاً برلمانية، ممّا يسهّل سنَّ وإعمال القوانين والأنظمة، فماذا يجب وكيف؟

يجب أن يستهلّ المجلس أعماله بمناقشة مسألة الدستور والعمل على إنجازه، فيجب – بعد البحث والنقاش وتبادل الآراء – ما يلي:

انتخاب لجنةٍ من أعضاء المجلس مؤلّفةٍ من خمسين عضواً وتكليفهم بمتابعة مسألة الدستور.

بعد ذلك تقوم هذه اللجنة المنتخَبة هي بدورها بتسمية وتحديد خمسين شخصيةً من خارج المجلس، بحيث تكون هذه الشخصيات كلّها أكاديميين ومهنيين ومن أصحاب الكفاءات المناسبة والمطلوبة لصياغة دستورٍ وطنيّ، أي حقوقيين وسياسيين ومفكّرين وأصحاب رأي، وكذلك كفاءات علمية بمختلف صنوف العلوم والآداب. ويتمّ اقتراح الأسماء ثم اعتمادهم إمّا بطريقة التوافق أو الانتخاب، وبذلك تصبح لجنة صياغة الدستور تتألّف من مئة عضو.

بعد ذلك تبدأ لجنة المئة عضو بالاجتماعات والتداول والتحاور وتوزيع وتقاسم المهام وتبادل الآراء حتى يتمّ صياغة مسوّدةٍ للدستور.

يتمّ عرض مسوّدة الدستور على مجلس الشعب، والذي هو بمثابة الجمعية التأسيسية، فيتمّ النقاش والحوار، ويمكن أن تجري التعديلات وتتمّ الإضافات والحذف إذا تطلّب الأمر ذلك، ويستمرّ الحوار والنقاش حتى يتمّ التصويت على إقرار المسوّدة والموافقة عليها واعتمادها دستوراً للبلاد.

ويجب أن تكون النسبة المطلوبة لكي يتمّ الإقرار هي 75% من عدد أعضاء المجلس يوافقون. ومن جهةٍ أخرى يتمّ كلّ ذلك مع النشر وإطلاع الجمهور والشعب على بنود ومحتوى الدستور وما جرى من نقاشاتٍ وشروحاتٍ في المجلس وما رافق ذلك من نشاطٍ إعلاميّ.

بعد إقرار مسوّدة الدستور من قبل مجلس الشعب يتمّ عرض الدستور على الشعب السوريّ بهدف الاستفتاء عليه لإقراره والقبول به أو رفضه، وذلك بطريقة الانتخابات الحرّة والنزيهة – بطريقة انتخابٍ ونسبة موافقةٍ يحدّدها مجلس الشعب – وبعد كلّ هذه الإجراءات والمراحل يصبح دستوراً معتمداً للبلاد ويتمّ تفعيله والعمل به كمرجعٍ أعلى للدولة.

ملاحظة: لقد كتبتُ ونشرتُ سابقاً حول هذا الموضوع.

– أيضاً إذا تطلّب الأمر مصادقة وإقرار معاهداتٍ واتفاقياتٍ سياديةٍ حسّاسةٍ ولها ولموضوعها خصوصية، فيتمّ مناقشتها وتبادل الآراء ثم يتمّ التصويت، ويُشترط الحصول على الموافقة بنسبة 70% من كامل أعضاء المجلس – وليس الحضور فقط – لكي يتمّ الإقرار والتصديق.

– سوف يقع على مجلس الشعب مسؤولية النظر والمناقشة والبحث والتمحيص في مسائل لها آثارٌ وتبعاتٌ ونتائج عميقة وشمولية، ثم البتّ النهائي بشأنها، مثل نهج وآلية ولون الاقتصاد الوطني الذي سيتمّ اعتماده، وسنّ القوانين الموازية، وكذلك جانب الاستثمار والقوانين الناظمة والضامنة، إضافةً إلى تحديد وتنظيم وقوننة النظام المالي والبنكي. وسوف تعترض المجلس قضايا خصخصة القطاع العام والممتلكات العامة وما يشابه ذلك، مثل تأجير المرافق والرموز السيادية كالموانئ والمطارات والمناجم وغيرها، واختيار أفضل طريقةٍ لتحقيق أعلى قدرٍ من المصلحة العامة.

وأمام كلّ ما تقدّم ذكره، وللتعامل معه بأفضل قرار، فيجب على مجلس الشعب القادم اتّباع ما يلي:

أولاً: يقوم المجلس بصياغة نظامٍ داخليٍّ ينظّم العمل، ويكون من أبرز القوانين فيه اشتراط موافقة نسبة 70 أو 75% من عدد أعضاء المجلس لكي يتمّ التصديق والإقرار وإمضاء القرار، لأنّ معظم ما سوف يتمّ إقراره في هذه الفترة أمورٌ سياديةٌ وحسّاسةٌ ومهمّةٌ وركائزيةٌ للدولة الجديدة.

ثانياً: يقوم المجلس بانتخاب (مجلسٍ استشاريٍّ) يتبع ويدعم مجلس الشعب، بحيث يضمّ هذا المجلس العشرات من الشخصيات الوطنية المشهود لها، وذات الكفاءات والخبرات المتنوّعة التي تغطّي معظم الجوانب الحياتية مثل السياسة والاقتصاد وعلوم الاجتماع والعلوم التربوية والعلمية التجريبية. وهذا المجلس لن تكون له علاقة بالتصويت، وآراؤه ومقترحاته ليست ملزمة، ولكن مهمّته متابعة الأمور العامة ولفت أنظار أعضاء مجلس الشعب، ثم متابعة النقاشات وإثراؤها بمعلوماتٍ تخصصيةٍ دقيقةٍ، وذلك تبعاً لكلّ جانب.

وإذا تعذّر ذلك، فيمكن أن يقوم المجلس عند التعاطي مع مسألةٍ معيّنةٍ بتحديد (انتخاباً) لجنةٍ مصغّرةٍ مهنيةٍ ومتخصّصةٍ، مهمّتها البحث الدقيق والشامل وتزويد المجلس بما يلزم من معلومات.

أي، بالخلاصة، يمكن استشارة المجلس الاستشاريّ والاستئناس بآرائه ومقترحاته التي سيتمّ توزيعها على الأعضاء لإطلاعهم.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني