
مجلس الأمن في دمشق.. القراءة والدلالات
كانت سوريا منذ ولادتها بشكلها الحالي وبعد جلاء المستعمر الفرنسي دولة غير مستقرة لم تَصمد فيها التجربة الديمقراطية الوليدة لظروف كثيرة، منها الانقلابات العسكرية المتعددة، والتي أفرزت مناخاً من عدم الاستقرار السياسي أدّى بالبلاد في النهاية إلى انقضاض حزب البعث على السلطة وحصرها فيما بعد بيد عائلة الأسد لأكثر من نصف قرن.
مثلت سوريا حافظ الأسد وابنه نموذجاً للدولة الفاشلة والمارقة، حيث كان القمع والاضطهاد وتغييب أو تجريم أيّ حراك مجتمعي وسياسي هو النهج الثابت للنظام، أما خارجياً فقد شكلت سوريا صداعاً مستمراً لجيرانها والإقليم عامةً، فيما حافظت على كل ما تريده منها إسرائيل.
لم تكن علاقات سوريا الأسد جيدة مع أيّ دولة في العالم باستثناء نظام ولاية الفقيه، حيث كانت العلاقة استراتيجية بينهما، وكانت العقوبات الأمريكية والأوربية تطوقها منذ بدايات عهد الأسد الأب، والذي اختار أن يكون نظام حكمه يؤدي أدواراً وظيفية، يخدم الجميع ويتخاصم مع الجميع، ويبدو أنّ هذا كان نهجه لاستمرار حكم الأقلية المتسلطة على رقاب الشعب السوري.
اعتاد المجتمع الدولي على سوريا كدولة منبوذة ترعى الارهاب وتجارة المخدرات وتصدير الفوضى والميليشيات العابرة للحدود، خاصةً بعد انطلاق الثورة السورية، حيث أدت سياسة الأسد الهارب لأن تكون سوريا ساحة صراع دولي وإقليمي، ويكون ملف مستقبلها في يد مجلس الأمن ويخضع للتجاذبات بينهم، مفضلاً ذلك على أن يستجيب لبعض من مطالب الشعب السوري المحقة، بمعنى أنّ سوريا قبل التحرير أصبحت دولة غير آمنة وغير مستقرة وتعاني من حروب داخلية أفرزت انقسامات مجتمعية. أيضاً أصبح لمجلس الأمن ولاية عليها من ناحية القرارات الهامة بحقها، وآخرها القرار 2254 الذي يتحكم بمصيرها وينظم ويدير الصراع فيها.
ما حدث بعد التحرير يكاد يكون إعجازياً، فقد تم إسقاط النظام عسكرياً وحسم ملف الحرب لصالح قوى الثورة السورية، وبذلك سقطت عملياً كل قرارات مجلس الأمن حول سوريا، وبقيت فقط النصوص النظرية والتي من الضروري إلغاؤها دون أن يعترض أحد الأعضاء الدائمين عليها.
كان التحرك من دمشق إلى واشنطن وبالعكس يسير بسلاسة مدعوماً من جهات إقليمية وازنة (تركيا والسعودية وقطر)، ويأخذ قوة مسيره أيضاً من مصالح مشتركة بين الولايات المتحدة وسوريا، كل واحد له مصالحه. ولم تفرط الولايات المتحدة بالفرصة الاستراتيجية التي سنحت باستثمار التحول الجيوسياسي الذي حدث في المنطقة بسقوط الأسد مع محوره الروسي – الإيراني، أيضاً كانت القيادة السورية تدرك أهمية العلاقة مع القوة الأعظم في هذا الكوكب.
لم يتأخر الاتحاد الأوربي في الترحيب بالتغيير في سوريا، وقدم الدعم للعهد الجديد بعد أن أصبحت الضفة الشرقية السورية للمتوسط صديقة للغرب.
كانت عقبة الدخول لمجلس الأمن ما تزال مغلقة لأنّ عضوين دائمي العضوية (روسيا والصين) يعتبران حليفتي النظام الساقط ومن أكبر الخاسرين بغيابه، وكان وجوده يمثل الضمانة لنفوذهما في سوريا.
ظن الجميع أنّ صداماً من نوع جديد سيحدث بين موسكو ودمشق (وهو مفهوم إن حصل ويلقى تأييداً شعبياً واسعاً)، إلا أنّ الخطاب الهادئ من القيادة السورية اتجاه موسكو وتطويره فيما بعد عبر لقاءات رسمية تُوجت بزيارة الرئيس الشرع إلى موسكو، أتاحت تلك الزيارة وضع أسس لعلاقة جديدة مع موسكو. كما أنّ الاتصالات مع الصين لم تنقطع وأثمرت عن زيارة وزير الخارجية السوري إلى بكين ووضع أسس لعلاقة مستقبلية جديدة.
تمكنت الدبلوماسية السورية في أقل من عام من تصفير معقول لمشاكلها مع الدول الخمس بمجلس الأمن والاعتراف بالمصالح المتبادلة بين تلك العواصم ودمشق، وهذا يعتبر إنجازاً هائلاً على كل المستويات.
الزيارة التاريخية لوفد مجلس الأمن كاملاً إلى سوريا هي نقلة نوعية لتثبيت سوريا كدولة طبيعية فاعلة في محيطها خرجت من مرحلة النزاعات والحروب وعدم الاستقرار وخرجت من العقوبات، وأنها ستؤدي دورها في المنظومة السياسية الدولية، في رسائل لكل الحالمين في الداخل بكانتونات وأقاليم وفيدراليات بأنّ القرار الدولي هو مع وحدة سوريا وسيادة الحكومة الشرعية المركزية على كامل أراضيها، وأنّ سوريا دولة مستقرة وآمنة، ولا يزور مثل هكذا وفد دولة غير آمنة، ما يعطي الإشارة إلى أنّ الاستثمارات الدولية والنشاطات الاقتصادية ستكون مضمونة في البيئة السورية الواعدة، وأنّ المجتمع الدولي يدعم هذا التوجه لتعافي سوريا.
ولم تغب الرسالة الدولية عن إسرائيل المعتدية والتي تحاول خلق التوتر على الحدود وإشعال الحرائق والتدخل في الشؤون الداخلية السورية ورسم حدود جديدة داخل الجغرافيا السورية سواء كانت نارية أو على الأرض.
وتمهد الزيارة إلى عودة سوريا إلى الانخراط في موازين القوى والسياسات الدولية وتشارك في كل المؤتمرات والمنتديات والاتفاقيات والمنظمات التي يتوافق عليها الجميع.