يعاتب مستفسراً.. لماذا…؟
– وتسألني…، أنت أقرب الناس، وتعرف جلّى أسراري…
– ألا ترى أنّك أخطأت؟
– بماذا… ؟
– لم تختر ما يناسبك
– إنّه حظي…، لم تشفع لي دعوات أمّي، ولا تسابيح أبي، أتظنّني قصّرت مع أيّة واحدة منهنّ؟
– ربما…
– يحزنني ما أسمعه من بعضهم ساخرين، وقد انتشرت هذه الكلمة على ألسنة كثيرين. إنها تحزّ في نفسي، وتجرح كسكين “مزواج” ويدّعي أنّه نصير المرأة، ويجاهر بإعطائها حقوقها كاملة، وتصرفاته تناقض ما يعلنه…
– راجع نفسك؟
– يا صاحبي، لأذكّرك…
– ممتاز، الأولى؟
– تزوجتها بعد قصة حبّ…، وكما تعلم، كنّا على وفاق وانسجام سنتين حتى تدخّل أهلها بشؤوننا. راجعنا الطبيب، وفهمت حالتها، وانصاعت لأوامر والدتها التي تطلّبت ما لا طاقة لي به، ووضعتني أمام خيارين.. واختارت هي فتركت البيت، وافترقنا…
– والثانية؟
– عشنا سعداء على خير ما يرام ثلاثة أعوام، وفرحنا بولي عهدنا القادم…، وعاندنا القدر فأسقطت حملها، ومرضت…، والتحقت بالأولياء الصالحين في السماء…
– والثالثة؟
– رياضية على خلق، ومن أسرة كريمة. عرفتها في النادي…، عرضت عليها الزواج فوافقت، ومكثنا أربع سنوات “سمناً على عسل” وأصيبتْ بالشلل التام إثر حادثة مؤلمة تعرّضت لها، حاولت أسرتها أن تعيدها إلى بيتها فرفضتُ، وخدمتُها حتى ارتقت روحها إلى بارئها…
– والرابعة؟
– سامحها الربّ، لسان سليط، ومتطلّبة همّها اللبس والأناقة، وجلسات القهوة والتبصير، وآخر ما تهتمّ به بيتها إن بقي لديها وقت، استمر ذلك سنة ونصف…، ولم أتذوّق طعم طبخها سوى مرتين أو ثلاث…، والباقي طلبات “دلفري”. أصابني مغص معوي، وانقطع شريان الصبر فتشجّعتُ ونطقتُها.. “أنتِ… بالثلاث”.
– هذا لأنك لم تحسن الاختيار
– نعم، صدقت في الأخيرة، أمّا الأوليات فأنت تظلمني، أليس كذلك؟
وهو يودّعني ابتسم وهمس والخامسة؟
– أعتقد سأقضي العمر زوجاً عَزَباً…
وصلت الدائرة، تجنّبت المصعد، وصعدت الدرج إلى مكتبي تفادياً للهمسات. راجعتني سيّدة شابة تعلو وجهها مسحة حزن، وعليها علامات الوقار، أنهيت معاملتيها فشكرتني وانصرفت، وتابعتها عيناي حتى توارت. تبادلت زميلاتي في الغرفة نظرات… وتغامزن… صمتُّ على مضض.. اتصلت أختي ودعتني على الغداء فاعتذرت، ووعدتها بالزيارة عصر غدٍ..
طرقت الباب ففتحت، ودلفت إلى الصالة. تفاجأتُ إذ شاهدتُها تجلس على كنبة… وتمّ التعارف.. جارتنا أمّ سمير .. أخي سعيد.. فقالت: لقد تشرّفت به أمس، إنّه في غاية اللطافة، وقد ساعدني في إنهاء معاملتي حصر الإرث، والوصاية على سمير.. فشكراً لك أستاذ…
– هذا واجب، وفكّرت، أنا في الخدمة، لا حاجة لأن تأتي إلى الدائرة.. فقط أخبريها وأشرت إلى أختي…
تكررت اللقاءات، واكتشفتُ أنّها دمثة، وعلى درجة جيدة من الثقافة، وتحسن إدارة الحوار فارتحت إلى تحليلاتها…، وتبادلنا أرقام الهاتف.
بادرتني أختي بالسؤال: ما رأيك بأمّ سمير؟
– شابة ناضجة، ومثقفة، وواسعة الاطلاع…
– فقط؟
– نعم، إلامَ ترمين؟
– أخطبها لك
– يكفي ما عانيت… دعيني وإيّاها على صداقة…
– لِمَ…؟ أتبقى وحيداً هكذا؟
– وهل شكوت لك من الوحدة؟
– لن أرتاح حتى أطمئن عليك
– لا أرغب أن أعيد التجربة، وأفضّلها صديقة…
– ستكون غير اللواتي عرفتهن
– أولا: لا أحسبُ-ها ترضى…
– وثانياً؟
– هناك فارق في السن لا يقل عن خمسة وعشرين عاماً، ولديها ابن قاصر، ثم أحتاج فرصة للتفكير…
– لا وقت لذلك، اترك الأمر لي…
– على أن تخبريها قصتي كاملة.
لم تفارق صورتها خيالي.. وانتعشت آمالي فأختي تملك فنّ الإقناع، ولا تعدم وسيلة…
جاءتني رسالة: أخي أقدم.. الساعة السادسة مساء.. لا تتأخر… حضرت في الموعد. إنّها تنتظرنا.. واستقبلتنا مرحّبة، ولمّا أفصحتُ عن رغبتي صبغت حمرة خجل وجنتيها وقالت: عرفتُ معاناتك… فهل تفهّمتَ شرطي؟
– أجل، وسمير سيكون ولدي أيضاً…
تمّت الخطوبة.. وتزوّجنا.. إنّها نِعمَ الزوجة رفيقة درب وحياة، معها أشرقت شمس جديدة أنستني الماضي بما فيه…، وضحكت لنا الأيام، فأنجبت لي زهرة تشبهها…
استيقظت على رنين الهاتف.. مددت يدي.. رفعت السماعة: نعم بشّري…
كما توقعتَ. أنتَ صديق مميّز…، إنّها ستبقى وفية لعهد قطعته…