
ما بعد الصراع في سوريا: هل نبدأ بإعادة بناء الدولة أم بإعادة بناء الإنسان؟
في لحظة التحوّل التي تعيشها سوريا بعد سنوات الصراع، يبرز سؤال تأسيسي لا يمكن تجاوزه: من أين تبدأ عملية التعافي؟
هل من إعادة ترتيب الهياكل السياسية والمؤسساتية، أم من معالجة التصدّعات العميقة التي أصابت الإنسان السوري نفسه؟
هنا تستعيد أفكار المفكر الجزائري مالك بن نبي راهنيتها، حين أكّد أن الدولة ليست نقطة البداية، بل ثمرة مسار حضاري طويل، وأن أي مشروع سياسي يفقد معناه إذا لم يستند إلى إنسان واعٍ، متماسك، ومؤهَّل أخلاقياً وفكرياً.
تجربة السنوات الأخيرة منذ انطلاق الثورة في سوريا تكشف أن الصراع لم يكن عسكرياً فقط، بل كان صراعاً على المعنى والهوية. فقد أفضت التحوّلات العنيفة إلى إعادة إنتاج مخاوف قديمة، وانكفاء اجتماعي نحو دوائر ضيقة، وتآكل الثقة بين المكوّنات. وفي بعض المحطات المفصلية، ظهرت هشاشة السلم الأهلي والتماسك المجتمعي بشكل مؤلم، ليس بالضرورة عبر خطاب معلن، بل من خلال سلوكيات انتقامية، وتوترات محلية، ونزعات إقصاء متبادل أعادت طرح سؤال العيش المشترك بوصفه قضية غير محسومة بعد.
هذا الواقع يضع أطروحة «بناء الإنسان» في قلب النقاش السياسي، ولكن ليس بوصفها شعاراً أخلاقياً مجرّداً، بل كضرورة عملية. فالإصلاح السياسي، مهما بدا متقدّماً على مستوى النصوص أو البنى، يبقى محدود الأثر إذا لم يرافقه إصلاح عميق في منظومة القيم، في ظل انهيار المنظومة القيمية، وفي علاقة الفرد بالدولة، وبالآخر المختلف عنه دينياً أو مناطقياً أو سياسياً. إن الدولة لا تستطيع فرض المواطنة بالقانون وحده، ولا حماية التعددية بأدوات أمنية فقط.
في المقابل، لا يمكن تجاهل العوامل الخارجية التي تؤثّر في مسار التعافي: تحوّلات البيئة الإقليمية، عودة أعداد كبيرة من السوريين إلى الداخل، تداخل الملفات الأمنية، وتذبذب الدعم الدولي. هذه العناصر قد تفتح فرصاً للاستقرار، لكنها قد تتحوّل أيضاً إلى عناصر ضغط إذا لم تُدار ضمن رؤية وطنية جامعة، قادرة على امتصاص التوترات بدل إعادة إنتاجها.
من هنا، يصبح التحدّي الحقيقي في سوريا ما بعد الصراع هو الانتقال من منطق الغلبة وإدارة الأزمات إلى منطق المسؤولية وبناء العقد الاجتماعي أو وضع قيم فوق دستورية. وهذا الانتقال لا يتم تلقائياً، بل يحتاج إلى سياسات عامة واضحة، تتجاوز الحلول الترقيعية.
خاتمة وتوصيات سياساتية
إن إعادة بناء الإنسان السوري تتطلّب مساراً إصلاحياً متكاملاً يقوم على:
- إصلاح تربوي شامل يدمج التربية المدنية، وقيم التعددية، وإدارة الاختلاف في المناهج التعليمية.
- تعزيز العدالة الانتقالية المجتمعية، ليس فقط عبر لجان رسمية، بل من خلال آليات محلية للحقيقة والمصالحة تعالج الذاكرة الجمعية.
- تمكين المجتمع المدني بوصفه وسيطاً بين الدولة والمجتمع، لا كبديل عن الدولة ولا كفاعل هامشي.
- سياسات إدماج اجتماعي واقتصادي تعالج آثار النزوح والعودة، وتمنع تحويل الهشاشة الاقتصادية إلى وقود لصراعات جديدة.
فالدولة التي لا تُبنى على إنسان متماسك وواعٍ، ستظل معرّضة للارتداد إلى العنف. أما حين يُعاد بناء الإنسان، تصبح الدولة كما تصوّرها مالك بن نبي «نتاجاً طبيعياً لمسار تعافٍ حضاري، لا مجرّد هيكل سياسي فوق مجتمع متصدّع».