
ما الشخص؟
حين نسأل: ما الشخص؟ فإننا نسأل عن ماهية الكائن الإنساني في لحظة تحوّله إلى ذات. وينطوي هذا السؤال على سؤال مضمر: متى يغدو الإنسان شخصاً؟
ليس غريباً أن يُشتقّ من الفعل شَخَصَ المصدرُ الصناعي شخصية والاسم شخص؛ فالفعل يفيد معنى الظهور والبروز والطلوع، وشخَّص تعني أبان وأظهر. ومن هنا يمكن القول، بثقة معرفية، إن الشخص هو تحوّل الفرد إلى ذات متمايزة، واعية بذاتها، شاعرة بحريتها. فالشخص هو الفرد الذي يظهر ويعلن ذاته؛ إنه الكائن الحر.
وليس انتقال الفرد إلى شخص ثمرة خيار فردي خالص، بل ثمرة تحوّل تاريخي طويل عاشته المجتمعات على اختلاف درجات تطورها. غير أن الثابت أن انتصار البرجوازية الأوروبية، بما حملته من تأكيدٍ لمكانة الإنسان، كان اللحظة التي شهدت ولادة الشخصية بوصفها الذات الحرة.
وقد انعكست ثقافة الشخصية الحديثة على مجتمعات كثيرة، فيما ما تزال مجتمعات أخرى تعيش في أطوار ما قبل ولادة الشخصية.
ومع ذلك، فإن ظاهرة الشخص لم تكن غريبة كلياً عن المجتمعات القديمة؛ فالنخب الحاكمة، والعشائرية، والأدبية، والفنية، والكهنوتية، والتجارية، والعسكرية – على محدوديتها – شكّلت شخصيات العالم القديم. على أن الحرية الشخصية، بما هي التعبير الأوضح عن ولادة الشخص، تعني حرية سلوك الفرد فيما يخص ذاته، شرط ألا يكون لسلوكه أثر سلبي على الآخرين. فمن الحرية الشخصية أن أكتب فيما أشاء؛ وليس من الحرية الشخصية أن أدعو بالكتابة إلى القتل أو الثأر من الآخر الذي أعيش معه، لأن ذلك عدوان على مفهوم الشخص نفسه. ولهذا لا بد ألا تتعارض الحرية الشخصية مع الحريات العامة.
والمتأمل في حال الشخص في عالمنا العربي يجد نفسه أمام ثقافة تنفي الشخص وتسلب الإنسان شروط تحوّله إلى شخص. وهذه الثقافة النافية ليست سوى ثمرة طبيعية لسلطة مستبدة ترى في الشخص نقيضاً لها وخطراً عليها.
فالشخص، بما هو تعيّن للحرية، يدخل بالضرورة في صراع مع القوى السالبة له، ممثَّلة في السلطتين الاستبداديتين: الدكتاتورية السياسية، والدكتاتورية اللاهوتية – الأيديولوجية.
لقد حشد الجهاز السلطوي – الأمني، والإعلامي – الأيديولوجي، والتعليمي – كل طاقاته، عبر عقود، لمنع ظهور الشخص: بالقمع الجسدي الذي يبلغ القتل، وبالتلاعب بالوعي عبر ضخ خطاب يقدّس الدكتاتور الجاهل والمأزوم نفسياً وعقلياً، في اعتداء على اللغة والشعر والموسيقى والخبر والحياة نفسها. وبجهاز تعليمي يفصل العلم عن الوعي العلمي.
وفي تحالف خفيّ مع هذه السلطة، تعمل السلطة اللاهوتية – الأيديولوجية على حصار الوعي الذاتي خشية أن يولّد وعياً بالشخصية الحرة.
غير أن حركة الواقع العالمي، وتطور الحاجات، وتوسع مصادر المعرفة، وتشكّل وعي جديد بالعالم على النقيض من هاتين السلطتين، كلها عوامل تحول دون نجاحهما في حرمان الإنسان من أن يغدو شخصاً. لكن ثقافة الاعتداء على الشخص، التي تراكمت عبر زمن طويل ورسّخت في النفوس، تحولت إلى عائق موضوعي أمام انتصار الشخص.
لقد أصبحت النزعة العدوانية تجاه الشخص سمة من سمات البنية النفسية للكائن؛ ولهذا كثيراً ما يتحول النقد – حتى لدى المثقف المدافع عن الحرية – إلى اعتداء على الشخص لا على النص أو الأثر.
والحق أننا – نحن العرب – نعيش منذ سنوات سيرورة ولادة الشخص في خضم صراع مرير بين بنية معادية للشخص، وكائنات بشرية تبني وجودها وحياتها ومستقبلها على قاعدة انتصار الشخص. أجل، إن الشخص هو قائد معركة الحياة.