
ماذا لو أوصلنا فرحة العيد للجميع؟
مبادرة طفلة سورية في ألمانيا تعيد للعيد معناه بين الأطفال
أحياناً تولد الأفكار الكبيرة من سؤال صغير.
في منزل عائلة سورية في ألمانيا، طرحت الطفلة هنا أحمد الموسى سؤالاً بسيطاً:
“ماذا لو أوصلنا فرحة العيد للجميع؟”
من هذا السؤال وُلدت مبادرة “ماذا لو؟”؛ فكرة صغيرة خرجت من خيال طفل، وتحولت إلى مبادرة إنسانية تهدف إلى إدخال الفرح إلى قلوب الأطفال ليلة عيد الفطر في مدينة فيتن الألمانية، مع طموح أن تتسع لتصل إلى أطفال مسلمين في مدن أخرى.
توضح والدة الطفلة، الآنسة علا السليمان، أن المبادرة جاءت من عالم الأطفال نفسه، بينما اقتصر دور الكبار على المساندة:
“المبادرة هي في الأساس للطفلة هنا الموسى، ونحن كأهل فقط داعمون ومساعدون.”
وتضيف أن الفكرة نشأت من حوار يومي مع الأطفال حول أسئلة تبدأ بعبارة “ماذا لو؟”، حيث يُترك المجال لخيالهم كي يبحث عن طرق لصناعة الفرح.
“ولدت مبادرة ماذا لو؟ من السؤال اليومي: ماذا لو كان كذا؟ كنا نجيب أطفالنا ونترك لهم التفكير في سؤال اليوم التالي. وفي أحد الأيام قالت هنا: ماذا لو أوصلنا فرحة العيد للجميع؟”
العيد بين الذاكرة والغربة:


في جوهر المبادرة محاولة للحفاظ على معنى العيد لدى الأطفال الذين يكبرون بعيداً عن أوطانهم. فالعيد في الذاكرة السورية ليس مجرد مناسبة، بل طقس اجتماعي وروحي يبدأ بالتكبيرات وينتهي بلمّة العائلة.
تقول السليمان:
“الرسالة هي تعظيم شعائر الله في العيد، وأن فرحة العيد في الغربة ليست مستحيلة.”
وتضيف أن الهدف يتجاوز توزيع الهدايا إلى ترسيخ معنى العيد في وجدان الأطفال:
“نحاول جاهدين إيصال الفرحة وإيصال الفكرة أن العيد ديني، وليس مجرد طقوس للفرح.”
وفي المقارنة بين الوطن والغربة تقول:
“في سوريا يشعر الأطفال بفرحة العيد من خلال أذان المساجد والتكبيرات ولمّة العائلة، أما هنا في الغربة فأجواء العيد تكون أكثر هدوءاً.”
لهذا كان القرار بسيطاً وواضحاً:
“أردنا هذه المرة أن تكون مبادرتنا هنا لنفرح أطفالنا هنا.”
الأطفال يصنعون الفرح:
ما يميز المبادرة أن الأطفال ليسوا فقط متلقين للهدايا، بل مشاركون في صناعتها. إذ يجتمعون في المسجد لتغليف الهدايا وتنظيم عملية التوزيع.
“أنا وابنتي هنا قمنا بشراء كل شيء وتجهيز الأمور، أما الأطفال فسيجتمعون في المسجد ليقوموا بتغليف الهدايا.”
كما يتم تنظيم التوزيع بالتعاون بين العائلات المشاركة:
“سنقوم بتوزيع العناوين وتنظيم العمل بين الأطفال والعائلات.”
ليلة العيد… لحظة المعنى:
تنطلق المبادرة في لحظة رمزية مكثفة: ليلة العيد، بعد إعلان ثبوت الهلال.
“في ليلة العيد، أول ما يعلن عن العيد إن شاء الله، سنقوم بتوزيع أكياس حلويات على الأطفال.”
وتجري عملية التوزيع في مدينة فيتن بعد الإفطار في آخر يوم من رمضان:
“في مدينتنا فيتن سنقوم ليلة العيد بعد الإفطار بتوزيع أكياس تعبيراً عن الفرح بقدوم العيد.”
وتستهدف المبادرة الأطفال من عمر ثلاث سنوات حتى ستة عشر عاماً، مع حرص واضح على أن يصل الفرح إلى الجميع:
“كل الأطفال سيحصلون على كيس حلويات بلا استثناء.”
وفي الوقت نفسه تحمل الهدايا رسالة تقدير للأطفال الذين صاموا رمضان:
“هناك هدايا لمن حاول الصيام، وهدايا لمن صام عدة أيام، وهدايا لمن صام رمضان كاملاً.”
فكرة امتدت… لأنها صادقة:
لم تأتِ المبادرة من فراغ؛ فقد سبق للعائلة تنفيذ مبادرات اجتماعية في سوريا، خاصة في إدلب.
“أغلب مبادراتنا كانت في سوريا في مدينة إدلب.”
ومن تلك التجارب مبادرة رمزية في بداية الشتاء:
“في بداية الشتاء قمنا بتوزيع دبس التمر، وكانت الفكرة أن للشتاء حلاوة أيضاً وليس فقط فصلاً للصعوبات.”
لكن “ماذا لو؟” تمثل أول تجربة لهم في العمل المجتمعي داخل ألمانيا.
“هذه أول مرة يكون لدينا مبادرة في ألمانيا.”
ورغم بساطة الفكرة، فقد بدأت تتوسع بسرعة، لتشمل عائلات في مدن مثل بوخوم ودورتموند وكامن وغوبنغن.
“المبادرة انتشرت بسرعة، وقد حصلنا على دعم وتشجيع من المقربين.”
وتضيف السليمان:
“كان تفاعل الأهالي أكثر من رائع، وقد حصلنا على دعم كبير من الأصدقاء.”
مبادرة يمكن أن تتكرر:
لا ترى السليمان المبادرة مشروعاً مغلقاً، بل فكرة مفتوحة يمكن أن تتبناها أي عائلة أو مجموعة أطفال في مدينتهم.
“فكرة المبادرة مطروحة للجميع، ويمكن لكل منطقة أن تطورها حسب ظروفها.”
والحلم بسيط بقدر ما هو واسع:
“نطمح أن نصل إلى جميع أطفال المسلمين في ألمانيا.”
أكثر من هدية:
في جوهرها، لا توزع المبادرة حلوى فقط، بل تصنع مساحة للتعارف والدفء الاجتماعي بين الأطفال.
“المبادرات الاجتماعية هي الباب الذي يفتح أبواب التعارف بين الأطفال ويزيد شعورهم بالألفة الاجتماعية.”
وقد تحمل أيضاً رسالة تعريف للمجتمع الأوسع بثقافة الأطفال المسلمين وتجربتهم مع رمضان والعيد.
“هذه المبادرة قد تشجع المدارس على التعرف أكثر إلى تجربة الأطفال المسلمين في الصيام والاحتفال بالعيد.
حين يصبح الفرح مسؤولية الجميع:
ربما لا تحتاج المبادرات الإنسانية الكبيرة إلى موارد ضخمة، بقدر ما تحتاج إلى فكرة صادقة… وقلب طفل يؤمن بأن الفرح يمكن أن يصل إلى الجميع.
وهذا ما فعلته طفلة بسؤال واحد:
“ماذا لو أوصلنا فرحة العيد للجميع؟”
فهل تتحول هذه الفكرة البسيطة إلى تقليد جميل تتبناه العائلات في مدن أخرى، ليصنع الأطفال بأنفسهم فرحة العيد حيثما كانوا؟