لستُ للمصادرة

0

ياللمفاجأة… وقفا وجهاً لوجه عند المدخل.. صرخ.. لا أصدّق عيني، وفتح ذراعيه فألقت نفسها بينهما. ضمّها بقوة.. متى جئتِ…؟ وكيف…؟ ولماذا…؟ ودلفا إلى الداخل، وهو يحضن يدها بين راحتيه، شرعت تقصّ عليه الحكاية

انضممتُ إلى جمعية شبابية حقوقية توثّق الانتهاكات، وتوزّع المساعدات فاستنكرت السلطات ما نقوم به… راقبتني واعتقلتني شهوراً، ثم أخلت سبيلي بشروط، ولم يثنني ذلك عن متابعة نشاطي فضيّقوا عليّ الخناق، ونصحني المخلصون بالهجرة حفاظاً على حياتي، فهاجرت ومارست عملي هنا مع أناس نشطاء في المهجر… ابتسم .. وأنا مازلت مصراً…، أتوافقين؟

– نعم، وأفرجت عن لؤلؤ منضود.

أنعم النظر في صفاء عينيها وشرد به الخيال، وأرجعه سنوات عندما التقاها في الكلية، وشاركها إجراء التجارب في المجموعة الخامسة. فتاة ممشوقة القدّ، منطلقة، تعبّر عن آرائها بصدق وجرأة تثير حفيظة رفيقاتها فيحسدنها…، وهو شبه منطوٍ على ذاته كأكثر أبناء الريف. بهرته بقوة منطقها، وانطلاقها على سجيتها. لا تداهن ولا ترائي، أحرجته مراراً بأسئلتها؛ لكنها تتراجع تهذيباً وتغيّر مجرى الحديث. كانت معجبة بذكائه، ولطفه، ودماثته. تقرّب منها، وتقوّت علاقتة بها، وتخطّت حدود المنهج الدراسي إلى القراءات في مجال الأدب، والعلوم، والموسيقا…، أصبحا رفيقين لا في الاختصاص إنّما بالأفكار، ومضت السنتان الأولى والثانية، وشعرا بأن شيئاً مشتركاً يجمعهما…، وكشفت عطلة الصيف عن شغف للقاء لا ينقطع حيث يتواصلان يومياً عبر الأثير الأزرق…

وفي السنة الثالثة، وذات يوم ماطر خرجا من الجامعة. فتحت مظلتها ودعته للاحتماء معها…، ومشيا متلاصقين، أحسّا بدفء جسديهما. ما أجمل الجوّ…!. أطلقتها شفتاها همساً. وأنتِ الأجمل!، قالها بعفوية، ولفّت يده خصرها فضحكت وتوقفت.. تنظّرت في عينيه فرأت بريقاً سماوياً، وتابعا المسير دونما كلمة وهما يسمعان ترداد تنفّسهما بصمت…، وفي البيت فتحت هاتفها.. رسالة “أحبــُّــك” فردّت “هههههه، ولِمَ لم تقلها تحت المطر؟ فكتب “خشيت أن تبتلّ…”، واتفقا على الزواج بعد التخرج …، ولمّا تقدّم لخطوبتها رفضه أهلها.. ليس من طائفتنا، وهدّده أبوها بالويل والثبور…، ودبّج أخوها فيه تقريراً للأمن فلُوحِق بانتمائه لحزب معارض، وبتشكيل خلية تخريبية…، فاضطرّ للهروب، وطلب اللجوء في دولة أوروبية، وتفجّرت الأزمة في البلاد، وتقطّعت سبل التواصل معها…

أكملا ما بدأا به من أنشطة اجتماعية ووطنية…، واحتفل الأصدقاء بزواجهما، ووصلت الأخبار إلى أسرتها فاستشاطت غضباً، وطلبت منها العودة إلى منبتها وإلّا قاطعتها واعتبرتها مرتدة… ومشركة…، ويحلّ رجمها…، فأجابت باقتضاب “لكم إيمانكم، ودينكم، ورأيكم لا أنازعكم…، ولي حياتي، أنا حرّة بها، وأملك مقاليد نفسي، وأَدَعُ ما للرّبّ للرّبّ. إني أدين بالإنسانية، وبالمحبة دون كراهية لأحد، وأتمسّك بالصداقة، وبالأخوة، وبالتسامح. فالإنسان ما سلم الناس من أذاه قولاً وفعلاً، وأنا اخترت الطريق الذي أرى فيه نجاتي…” والسلام…

– من كانت ابنتكم

– عائشة

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني