لا خوف على الأمن والاستقرار في سوريا
يعمل الطغاة خلال سنوات حكمهم على تأبيد حكمهم، وأهمّ أداة لذلك التأبيد هي ضرب وإقصاء كل القوى الحية القادرة على أن تشكل خطراً على مشروع الطاغية في الخلود. والقوى الحية إما أفراد أو جماعات أو تنظيمات، ولكي يتحول المجتمع إلى قطيع لابدّ من إفراغه منها.
حافظ الأسد كان نموذجاً للطاغية في سوريا، ووصل في غفلة من الزمن إلى حكم سوريا. وكان أول من تخلص منهم رفاقه مما كان يسمى اللجنة العسكرية، وهي النواة التي انطلق منها ليصل إلى الحكم. وبإعلانه الصريح عن منهجية حكمه الفردي الشمولي ترك خياراً وحيداً لكل من يعارضه: حزم حقائبه والرحيل إلى منفى طوعي. ومن لم يفعل ذلك وتدخل في الشأن العام نال نصيبه قتلاً أو سجناً أو تهميشاً.
أممَ الأسد الحياة السياسية والاجتماعية وألغاهما تماماً وحرّم كل نشاط اجتماعي فعال أو سياسي ذي شأن، واتبع نهجاً خطيراً سماه بعضهم بتعويم الحثالة في المجتمع وربطها به كطبقة يعتمد عليها في فرض سيطرته المدنية على عموم الشعب السوري، تكون عوناً أو ذراعاً لأجهزة المخابرات في عدّ الأنفاس على الناس. وتلك الحثالة كانت، بالطبع، من ألبسهم مشيخة العشائر وزعماء الطوائف الدينية والإثنيات والمناطق والتجار؛ وبالطبع أقصت الحثالة كل القوى الحية في محيطها وخرجت للصدارة وطفَت على السطح.
كان هدف الطاغية تصحير المجتمع وصولاً لمواته – وهو ما وصل إليه (أو خُيّل له ذلك).
حتى طائفته الدينية جرّدها من كل قواها الفاعلة والتي يمكن أن تشكل له تحدياً أو تبدي رأياً مختلفاً في أقلّ الأحوال، حيث عمل على ربطها بزعامة واحدة شاقولية بحيث تكون وقوداً لاستمرار سيطرته وتوريث حكمه من بعده. وهذه الزعامة الشاقولية على مستوى الجيش أيضاً جعلت من انقلابَه عام 1970 آخر الانقلابات العسكرية، حيث لم يجرؤ اثنان من قادته العسكريين على إمكانية التنسيق بينهما للإطاحة به.
هذه الزعامة الشاقولية أثبتت فشلها أثناء معركة ردع العدوان لتحرير سوريا؛ فغياب الأسد عن المشهد لعدة أيام وهروبه بعدها أدى إلى سقوط النظام ككتلة واحدة وتبخره عندما لم يجد زعيمه معه.
أيضاً يعمل الطغاة على إقصاء كل ذي رأي سديد من حولهم ويحتفظون بحاشية سلطانية لا تعرف إلا التمجيد للسلطان… ولأن الطاغية يرى أنه هو الدولة والدولة هي هو، يحطّم كل المسافات بين السلطة والدولة والوطن ويسمي البلد باسمه (سوريا الأسد أو الأسد أو نحرق البلد)، فيجعل من كل من ينتقده أو يعارضه خائناً للوطن، ويعمل الطاغية على تجيير كل إمكانات البلد وعلاقاته الخارجية لتعزيز سيطرته الداخلية؛ فنراه يعمل على أن ما يصبّ في مصلحته يصبّ في مصلحة البلاد والعباد، ويجعل من القوى الخارجية المتناقضة المصالح ترى فيه من يخدم مصالحها وبالتالي لا يمكن التفريط به أو حتى مجرد التفكير في انهياره والتوجّس من أي قادم جديد.
أما الشعب (وهو ليس شعباً في الحقيقة إنما مجرد قطيع مستلب الإرادة) فيركن بفعل القمع الطويل الذي تعرّض له، واليأس من أي تغيير، والاستمتاع بالطاعة للجلاد (عقدة ستوكهولم) إلى الخوف من التغيير لأن أبواباً من المجهول قد تُفتح وقد تكون أسوأ من الذي تم الاعتياد عليه على مبدأ الاستقرار في الاستمرار – والشيطان الذي تعرفه أفضل من الذي تتعرف عليه.
كانت كل استراتيجية نظام الأسد تنحو هذا المنحى، حيث الداخل مسيطر عليه تماماً منذ أربعين سنة من القمع المتواصل، ودور النظام الإقليمي يجعله يأمن الأخطار الخارجية.
ما حدث من وصول شرارة الربيع العربي إلى سوريا فاجأ الجميع وأولهم النظام نفسه، وتمّ تماهي طائفته العلوية بالكامل مع النظام في قمع الثورة السورية إضافةً إلى طائفة النظام من بقية مكونات الشعب السوري، وتمّ مساعدته إقليمياً ودولياً في قمع الانتفاضة وتقاسموا الأدوار؛ فمنهم من وقف معه عسكرياً وسياسياً، ومنهم من غضّ الطرف عن جرائمه، ومنهم من منع تسليح الثورة لقلب المعادلة العسكرية على الأرض لمصلحة الثوار. ولم يبق مع الثورة عند انطلاق معركة التحرير إلا تركيا وقطر.
كان النظام يعتقد أو يوقن أنّه لا بديل عنه في حكم سوريا للفواعل الخارجية وأنه يؤمن كل ما يريدونه، واعتقد وهْماً أنّ هذا يكفي لبقائه لأنّ بديله الفوضى، وهو ما كان ماثلاً أمام أعينهم يراقبون مآلات سقوط الطغاة في العراق وليبيا والسودان واليمن، وأنّ سوريا كلها ستكون كابلاً فيما لو أُطيح به أو تهدّد حكمه بشكل جدي، كأن تزيد المعارضة من مساحة سيطرتها على الأرض وبناء قوة عسكرية ونموذج اقتصادي…
لم يُقدّر الأسد خطورة ما بقي من قوى الثورة العسكرية عليه واعتبر أنّ تركيا لن تعطي أضواءً خضراء لحلفائها خوفاً من إغضاب روسيا، واستكان إلى الحماية الإسرائيلية واليأس العربي من التغيير، ولم يُدرك قوة الإرادة الثورية السورية في التغيير، ولا كيف يفكّر العقل السياسي التركي، ولم يُدرك الأسد عمق التحولات الجيوسياسية بعد الغزو الروسي لأوكرانيا وحدث السابع من أكتوبر في فلسطين المحتلة.
أعدّت هيئة تحرير الشام نفسها ليوم التحرير منذ توقف المعارك الكبرى في ربيع عام 2020 ووحّدت البندقية تحت جناحها وأخضعتها لقرار سياسي واحد، وعملت على بناء قوة عسكرية صلبة ومنضبطة وحسنة التدريب، وجهّزت نفسها بإدارة مدنية تكون مستعدة لملء الفراغ. وكانت الهيئة تنظر للخزان العسكري والبشري الهائل في شمال حلب والمتفق معها بالأهداف الكبرى والمتباين معها ببعض التفصيلات التكتيكية، وشكّلا معاً نواة بنية الجيش السوري الجديد والذي كان متفوقاً على كل سلطات الأمر الواقع القائمة، وأهمّها سلطة الأسد والتي تمّ اقتلاعها في أيام وتحجيم قوى قسد في مناطقها بانتظار استواء الطبخة التركية – الأمريكية، حيث لن يشكّل القضاء عليها أي عائق فيما إذا وصلت الأوضاع إلى الحسم العسكري بفعل إصرار قسد على عدم إلقاء سلاحها.
لا تشكّل العصابات الخارجة عن القانون في السويداء ولا بقايا فلول النظام في الساحل أي تهديد بانطلاق صراع عسكري، وإنما هي ليست أكثر من أوراق تفاوضية تسبّب الإزعاج للدولة وليست خطراً عليها أو نِدّاً لها.
لذلك لا خوف على سوريا من انقلاب عسكري على الطريقة المصرية، ولا صراع أهلي كما هو الحال في ليبيا والسودان واليمن، ولا فشل نموذج على الطريقة العراقية واللبنانية، حيث تتجنّب الحكومة الانتقالية كل الدروب التي تؤدي إلى تلك النماذج الفاشلة.