الواقع الحالي الذي تعيشه الثورة السورية بمؤسساتها لا يشبه أبداً ماخطط له السوريون وحلموا به عام 2011، الدليل الأكبر على هذا الكلام هو ما يصدر عن المعارضين أنفسهم ومن امتهنوا العمل السياسي قبل وبعد ذاك التاريخ من تصريحات تظهر مدى الخذلان الذي وصلوا إليه.
فلا اللعبة الدولية ولا دعم نظام الأسد كانا قادرين على توسيع الهوة بين فئات المعارضة السورية كما يحدث الآن لو كانت الأطراف توافقت على شخصية قيادية بينها منذ البداية، بعيدة عن التحزب والتبعية الدولية والإقليمية التي فرضت مصالح كل منها الوجه القبيح الذي تعانيه مؤسسات المعارضة.
*الباب الذي تأتي منه الريح.. هل حقاً الثورة لم تنتصر؟
كثيراً ما نسمع هذه العبارة بين السوريين في لحظات اليأس الكبرى لكن الحديث عن ماهية النصر من عدمه لابد لها من استراتيجية تحدد سبلها وتحلل معطياتها وقد حددها الدكتور عبدالله تركماني وهو باحث في مركز حرمون للدراسات بالقول:
وأكد د. تركماني أن عدم الانتصار يعود إلى أسباب عديدة:
أولها: الأسباب الموضوعية: أي الموقع الجيواستراتيجي لسورية في منطقة الشرق الأوسط، الذي يجذب قوى إقليمية ودولية عديدة لتأمين مصالحها في سورية والمنطقة. وقد استفاد النظام، منذ انقلاب حافظ الأسد في العام 1970، في توظيف هذا الموقع لتأمين مصالح القوى الإقليمية والدولية المؤثرة، وهذا يفسر – إلى حد بعيد – استنكاف المجتمع الدولي عن دعم الثورة السورية. ولا شك أن الدورين الأكثر سلبية مثلتهما روسيا وإيران، من خلال دعمهما لنظام بشار الأسد.
كما أن الخيار الأمني للنظام، منذ الأيام الأولى للثورة، قد دفع إلى العسكرة والأسلمة اللتين أديتا إلى المآلات التي نعرفها اليوم، من خلال ارتهان الممثلين الرسميين للمعارضة إلى سياسات القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في المسألة السورية. وبذلك لم يعد الصراع داخل سورية، وإنما على سورية، بين القوى الإقليمية والدولية لتقاسم النفوذ والمصالح، نتيجة لولاء أمراء الحرب لجهات خارجية.
وثانيها: الأسباب الذاتية: في المقابل، عجزت المؤسسات الرسمية للمعارضة عن بناء قنوات تفاعل مع الحراك الشعبي، ومده بأسباب الدعم والاستمرار. ليس ذلك فحسب، وإنما افتقد خطابها إلى القدرة على تحديد مشكلات الواقع وصياغة الحلول المجدية لها، ومتابعة آلياتها التنفيذية. وبذلك نفر السوريون من مؤسسات معارضة تعلن أنها تسعى إلى تحقيق طموحات الشعب السوري في الحرية والكرامة، وبناء دولة المواطنين الأحرار المتساوين في الحقوق والواجبات، بينما هي تصر على توزيع المناصب والامتيازات على أساس المحاصصات القومية والطائفية، وليس على أساس القدرات والكفاءات.
ولا شك أن ممارسات الفصائل الإسلامية المتطرفة، خاصة قطع الرقاب والخطاب الطائفي، قد أدى إلى عزلة الثورة عن قطاعات واسعة من الشعب السوري، وكذلك اعتبار المجتمع الدولي أن ما يحصل في سورية هو حرب أهلية، وليست ثورة حرية وكرامة، تنتمي إلى عصر الديمقراطية وحقوق الإنسان.
*شبابيك مؤسسات المعارضة لم تُدخِل النور إلى حصن الثورة!
إن كان بالإمكان تقسيم الحِمل في أسباب الخذلان الحاصل، للظروف والأرض نكون في بوتقة صهر الواجبات المتحتمة على كل مؤسسات المعارضة التي انزلقت عن دورها الرئيس منذ أول اجتماع ترأسته بديلاً عن بشار الأسد وفشلت بحيازة هذا الدور ما أفقدها ماهية عملها والمكان الذي يجب أن تملأه كداعم سياسي حقيقي للشعب الثائر على الأرض السورية.
وللتفصيل في إيضاح عمل مؤسسات المعارضة السورية منذ بدئها قال الرئيس السابق للائتلاف المعارض لقوى الثورة السورية جورج صبرة:
ويوضح الرئيس السابق للائتلاف أن تعاملها المتمادي مع مسار أستانا/سوتشي ومخرجاته (وهو مسار سطوة القوة الروسية والتهاون الدولي)، وضعها موضع الانحناء للإرادة الدولية وتلبية الإملاءات لتحقيق مصالح الدول بعيداً عن الشعب السوري وأهداف الثورة. وهذا ما جعلها بنظر السوريين جهة لا تتمتع بالرأي والرؤية والمواقف التي تجسد آمال السوريين وطموحاتهم. إنما تكتفي بتلبية المطالب الدولية تحت عنوان “المرونة” و”الواقعية السياسية “.
وفيما يتعلق بتمثيل الأجندات الخارجية على الساحة السورية قال صبرة: “حدّث ولا حرج. إذ يمكن لأي سوري أن يدلك على مرجعية هذه الجماعة أو الشخص والجهة الدولية التي أوصلته وترعاه من أجل رعاية مصالحها وتبرير أعمالها وتنفيذ توجهاتها”، وهكذا خسرت هذه المؤسسات أكثر فأكثر الاعتبار الدولي الفاعل والدور التمثيلي المطلوب في العملية السياسية.
بينما يفسر صبرة التواصل مع الفاعلين الدوليين والإقليميين بأنه قائم ولم ينقطع، لكنه كما يقال من قبيل “رفع العتب”، فالعملية السياسية التي أجمع عليها السوريون، وقبلتها قوى الثورة، قائمة عبر الأمم المتحدة وبرعايتها، وبدلالة بيان جنيف 1 لعام 2012 وقرارات مجلس الأمن الدولي 2118 و2254 وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 62/67. وما لم يتم التوافق الدولي على ولوج الحل، وتوفر الإرادة الصادقة في اعتماده، يبقى التواصل مع الجهات الدولية والإقليمية مناسبات إعلامية، تخدم تلك الدول وأجنداتها أكثر مما تخدم العملية السياسية، وتساعد السوريين على الخروج من المحنة.
*ماذا تحوي جعبة مؤسسات المعارضة حلول بديلة أم سلة أوهام؟
لطالما تشبثت القوى السياسة بالقرار الأممي 2254 إما عجزاً منها على الحصول على قرارات أممية أخرى تواكب تطلعات الحاضنة الثورية أو قصور فكرها عن بلوغ طروح جديدة وفاعلة في المسألة السورية دولياً، ويبقى العنصر الأساس في هذه المعادلة “الفشل” الذي تلبسه مؤسسات المعارضة كعباءة.
الرئيس السابق للحكومة السورية المؤقتة الدكتور جواد أبو حطب كان له رأيه أيضاً في هذا الشأن حيث قال:
بالتالي ونظراً لحديث رئيس الحكومة المؤقتة السابق فإن الجهات السياسية التي أضاعت البوصلة مضطرة للتمسك بالقرار الأممي 2254 الصادر عام 2015، لأنها في عصر قوتها لم تستطع استغلال الفرص حتى توجد لها بدائل.
واختتم الدكتور أبو حطب كلامه بالقول: “إننا اليوم لا نملك شيئاً، دورنا هو أن نستمر ولا نقبل بالحلول الممسوخة”.
*نظام المعارضة.. ديمقراطية لعبة الكراسي!
تبادل الأدوار لا يعني بالضرورة استمرار ذات الشخصيات على تداول كراسي المؤسسات كما يحدث في الحكومات المستبدة والضحك على اللحى بتغيير الأدوار والفاعل واحد، و يبدو أن من شب على شيء ينوي أن يشيب عليه.
حيث يقول الأمين العام المساعد لحزب الاتحاد الاشتراكي محمد زكي هويدي:
*لماذا انكفأ الشباب صنّاع الثورة عن قيادتها؟
وقود الثورة الأول كان دماء الشباب السوري الذي خرج حاملاً الورود والماء، مشهراً إياها بوجه عناصر جيش الأسد المدججين بالسلاح وفروعه الأمنية، تعرفهم السجون وتذكرهم أدوات الجلاد، لكن في المقابل إن كانوا غابوا أو غيبوا عن واجهة العمل الثوري السياسي فلذلك أسباب ومسببات.
*عمل مؤسسات المعارضة مقلاع بلا عينين
أن تملك الأرض والسطوة ولا تجيد استغلالها أو تحسن التصويب باتجاه الهدف فهذا قتل جائر لكل ما تملك أو يملك غيرك وأنت صاحب العهدة.
نائب رئيس رابطة المستقلين الكرد رديف مصطفى يؤكد
ويجدر التنويه إلى أن كل ما ذكر من أسباب موضوعية وذاتية يوجه إلى أصحاب الشأن، علهم يعيدون ترتيب أوليات ما يديرون من مؤسسات ثورية في حال كانوا غافلين عن كل ما قيل وكتب.