كيف نضيّع الفرص… ثم ندفع ثمنها لسنوات طويلة

0

لا أعتقد أن مشكلة العرب كانت يوماً نقصاً في الذكاء أو الشجاعة بل في الإخفاق بقراءة اللحظة والتعامل مع الفرص بعاطفة أو بمعايير مثالية لا يمنحها الواقع لأحد.

في السياسة لا تأتي الفرص كاملة أو عادلة غالباً ما تكون ناقصة ومؤلمة ومليئة بالتسويات.

جزء من أزمتنا كان ارتهان القرار للأيديولوجيا بأشكالها المختلفة.

 حين تتحول الأفكار إلى يقين مغلق تُقيّد الشجاعة بدل أن تدعمها نرفض لأن الشعارات لا تسمح أو ننتظر نصراً كاملاً لا يأتي.

الحكمة ليست أن نحبّ الفرصة بل أن نحسن إدارتها وتحسين شروطها تدريجياً. القرار الشجاع هو الذي يتعامل مع الواقع كما هو لا كما نتمنى. لأن الزمن لا ينتظر والفرص التي تضيع تحت ضغط العاطفة أو الأيديولوجيا… لا تعود.

فلسطين في لحظة مبكرة جاء قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947 كنافذة دولية فتحت باباً لمسار سياسي كان على علاته يمكن البناء عليه ثم تحسينه بالنضال والعمل الدبلوماسي.

ثم جاءت حرب 1967 لتدخل القضية في مرحلة جديدة، وتبعها القرار 242 الذي رسم إطار “الأرض مقابل السلام”، ثم القرار 338 الذي أعاد التأكيد على هذا المسار ودعا إلى مفاوضات على أساسه.
قد لا تكون هذه القرارات عادلة بمعناها الأخلاقي الكامل لكنها كانت خرائط طريق دولية

ومن فلسطين إلى سوريا في منتصف الخمسينيات عاشت تجربة سياسية لافتة في المنطقة برلمان أحزاب حياة عامة تتقدم رغم الصعوبات لم تكن تلك المرحلة مدينة فاضلة لكنها كانت بداية قابلة للتراكم
كان يمكن أن تتحول بالتدريج إلى نموذج دولة حديثة.

ثم جاءت الوحدة مع مصر 1958وتراجعت السياسة لصالح المركزية وضاقت التعددية وكأن عقارب الساعة عادت إلى الخلف وهنا لا أقول هذا لتأنيب أحد بل لفهم قاعدة بسيطة بناء الدولة عملية بطيئة والقفزات العاطفية قد تسقط ما بُني على الأرض.

ثم جاءت الثورة السورية… وظهرت فرص كثيرة أمام المعارضة السورية فرصة لتوحيد القرار فرصة لصناعة خطاب وطني جامع فرصة لتأسيس مؤسسات تمثيلية تقنع الداخل وتحترم عقل الخارج.
لكن التشتت، والصراعات البينية وسوء إدارة العلاقة مع الداعمين جعلت الكثير من هذه الفرص تتبدد.

ونتذكر العراق بعد 2003 سقطت الدكتاتورية وُفتح باب نظام سياسي جديد لكن التجربة غرقت في الاستقطاب والطائفية والارتهان للخارج فضاعت إمكانية بناء الدولة.

لماذا نكتب كل هذا الآن؟

لأن سوريا اليوم أمام فرصة نادرة هناك احتضان عربي وإقليمي وانفتاح دولي ورفع العقوبات واعادة وصل سوريا بالاقتصاد والسياسة في العالم وعلاقات أكثر توازناً حتى مع القوى التي كانت علاقتنا بها شائكة (روسيا مثلاً).

وهنا نقطة مهمة هذه ليست لحظة انتصار طرف على طرف هذه لحظة تأسيس لحظة بناء دولة والدرس واضح لا دولة بلا توافق ومشاركة حقيقية ولا استقرار بلا مؤسسات ولا مستقبل بلا عدالة عقلانية تُطمئن الناس بدل أن تُخيفهم.

نحن أمام فرصة تاريخية لكن الربح ليس حتمياً تعلمنا من الماضي أن الأنظمة تسقط عندما تنفصل عن واقع الناس وتكتفي بالوعود.

الربح الحقيقي للمستقبل يتطلب شجاعة جراح استئصال أورام الفساد لجم طموحات التيارات الراديكالية والانفتاح على الكفاءات السورية أينما كانت.

إذا لم نفعل ذلك فنحن لا نربح المستقبل بل نقوم فقط بـ تأجيل الانفجار القادم.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني