كيف تغلبت سوريا على مخاطر التقسيم والثورة المضادة

0

واجه العهد السوري الجديد معضلات عديدة، ولكن أخطرها كانت خطر التقسيم وخطر ما يُعرف بثورة مضادة تُطيح بالإنجاز السوري الكبير.

كانت الحالة السورية لا تملك المناعة الكافية لمواجهة الأخطار المحدقة بها، خاصةً بوجود قوتين إقليميتين كبيرتين (إيران وإسرائيل) لهما مرتكزات داخل المجتمع السوري ومؤيدون لهما ويمتلكون بنيات تنظيمية عسكرية وإمدادات تصل إليهم باستمرار.

ظنّ الأعداء أنّ قوى الثورة التي وصلت إلى الحكم منهكة وضعيفة بفعل حرب الـ 14 عاماً الماضية، وأنّ التيارات والتوجّهات المتعارضة والخلافات السابقة ستترك أثرها في حدوث خلافات أكبر أو ربما اقتتال، وبالطبع يوجد داعمون خارجيون لتغذية تلك النزعات…

كان رهان الأعداء الأكبر على تظهير صورة ترسّخت في أذهان الكثيرين ممن أراد تصديقها، خاصة من استسلم لأوهام الماضي ولم ينظر للحاضر ويستشرف المستقبل، وأقصد بالتحديد من لم يقرأ الظروف الدولية المستجدة ولم يُدرك أهمية التجربة في إدلب من ناحية الحوكمة المقبولة والبنية العسكرية الصلبة والاستعداد الأمني الجيد لأي بديل عن نظام الأسد.

كان الرهان الأولي للأعداء على فشل القيادة الجديدة في كل الملفات التي ستتصدى لها، وأهمها مشروعية القبول الإقليمي والدولي لها ومشروعية القبول الشعبي الداخلي أيضاً.

ويمكننا ذكر أبرز التحديات التي تم تجاوزها والتي كانت تُشكّل أكبر الأخطار على وحدة سوريا واستقرار الدولة الجديدة والمجتمع السوري عامة.

1- كان التحدي الأمني الداخلي من أهم العقبات التي واجهت القيادة، وفرضت التحديات توحيد كل الفصائل العسكرية وتقسيمها بين وزارتي الداخلية والدفاع، وهو عمل ليس سهلاً لأنّ نشأة تلك الفصائل كانت على أساس أيديولوجي ديني أو وطني لكنه مناطقي وعشائري أو جهوي، وكانت الولاءات الشخصية تتحكّم بالعلاقة بين قواعدها وقياداتها، بمعنى أنّ كل تلك الفصائل الثورية كانت تحكمها أو تتحكّم بها سرديات دون الدولة أو فوقها، وبسبب ظروف الحرب السورية نشأ تنافس تحوّل أحياناً إلى نزاع مسلح بينها.

كان الهدف الكبير وهو إسقاط النظام يجمعها، وقد تحقق الآن، ومن كان يملك خطة اليوم التالي هو الرئيس الشرع والذي يقود أكبر تلك الفصائل وأقواها ويتمتع بكاريزما وشخصية قيادية بحيث كان الوحيد القادر على جمع تلك الفصائل تحت قيادته في معركة ردع العدوان، وتالياً في مرحلة حلّ تلك الفصائل وصهرها في مؤسسة واحدة لتأمين أهم نواة الدولة الجديدة وهي القوى العسكرية الشرعية في وزارتي الدفاع والداخلية.

2- لم يكن تقديم خطاب وطني جامع من قيادة العهد وجمهورها بالأمر المتوقع كما حصل، بحيث كان البون شاسعاً جداً بين هذا الخطاب وخطاب المعارضة والتي هي في الحقيقة ليست معارضة بل قوى وتيارات تهدف إلى هدم الدولة وليس معارضة السلطة، حيث لا يمكن تسميتها بالمعارضة وفق تعريف معنى المعارضة والتي من أساسياتها الاعتراف والتسليم والقبول والرضى بها ومحاولة تغيير بعض السياسات من الداخل وبشكل سلمي بحت وتحت سقف مؤسسات الدولة.

كان شعار “نصر بلا انتقام” والذي أُطلق من حلب هو التوجّه الرئيسي للعهد، بحيث يتم انتقاده من قواعده الثورية بفرط التسامح مع بعض رموز النظام البائد وعدم إطلاق العنان للاجتثاث وإنشاء المحاكم الثورية وفتح أبواب المعتقلات ونصب المشانق، بل يعتب بعض من تلك القواعد على السرعة في ترك منطق الثورة والتحوّل إلى نهج الدولة..

نهج العهد الجديد في مقاربة هذه المسألة المهمة يراه البعض صائباً ويراه غيرهم بشكل مختلف، لكنني أرى أنّ الطريق الذي تسير به القيادة ليس مليئاً بالأشواك فقط بل بالألغام، وهي تسير فيه الآن بكل حذر وحكمة ودراية، ولو سلكت الطريق السهل الآخر لكانت حدثت أمور لا تُحمد عقباها، خاصةً أنّ عود الدولة والمجتمع لا يزال غضاً…

3- بالطبع لا تكفي الدولة أيّ شرعية داخلية مهما كانت قوتها أو اتساعها أو مشروعيتها، بل لا بد من الحصول على شرعية الاعتراف الخارجي وإقناع الخارج بأنّ ذلك النظام الجديد لن يمثل تهديداً حقيقياً لهم، وبأنّ دولة طبيعية هي في طور الولادة وعلى الجميع التعاون لتيسير المخاض، وقد يكون ذلك سهلاً في الدول الهامشية، أما في دولة ذات أهمية جيوسياسية كسوريا فإنّ ذلك ليس سهلاً خاصةً أنها الدولة الوحيدة التي نجح فيها الربيع العربي وتولّت القيادة فيها هيئة تحرير الشام ذات الأصول الجهادية، مع علم الجميع بالتصنيفات الدولية التي تم وضعها عليها.

إضافةً للتصنيفات الموضوعة على الهيئة والعقبات والعقوبات المترتبة على ذلك، ورث العهد الجديد العقوبات المفروضة على النظام البائد وأهمها قانون قيصر، وكان ديدن القوى الداخلية والخارجية المعادية للدولة الجديدة هو عدم الحصول على الاعتراف الخارجي وبقاء العقوبات، لأنّ ذلك سيفرمل عجلات العهد الجديد في تحقيق أيّ نجاح واستقرار وازدهار، الأمر الذي سيضعِف المجتمع من الداخل ويلغي الإنجاز التاريخي الكبير بإسقاط نظام الأسد ويقوّي حجج الأعداء في الداخل والخارج ويخلق الظروف الذاتية والموضوعية لانحلال الدولة وتشظيها.

4- القوى الخارجية المتدخلة في الشأن السوري هي قوى وازنة سواء إقليمية كانت أم دولية، وتلك القوى لها ارتباط قوي أو داعمة بشكل علني ومباشر لميليشيات محلية هي بمثابة سلطات أمر واقع أفرزتها الحرب السورية، وكان لا بد للعهد الجديد أن يأخذ بالحسبان أهمية تلك الدول ونسج علاقات صحيحة معها تضمن بها تلك الدول مصالحها دون اللجوء للفواعل دون الدولة، أي بمعنى قطع صلة المصالح بين القوى الخارجية وأزلامها في الداخل لتجفيف منابع الدعم المادي والمعنوي، وهو ما حصل على الأرض حيث تم فتح بداية جديدة للعلاقات مع روسيا وبالتالي كفّ دعمها لفلول النظام السابق ورعايتها للحركات الانفصالية الأخرى في الجنوب والشمال الشرقي.

أيضاً تم بناء علاقة جديدة مع الولايات المتحدة قادت في النهاية إلى تخلي واشنطن عن قسد ورفع يدها عنها، وبدرجة أخرى تم بوساطات دولية وإقليمية إيجاد صيغة للتفاهم مع إسرائيل وتبديد مخاوفها، وبالتالي أصبحت الورقة الدرزية عبئاً عليها ولم تعد أداة مزعجة للحكومة بيدها، حيث من الثابت والمؤكد أنّ لا ثورة مضادة ولا تمرّد وعصيان مسلح سيتم بدون دعم خارجي، وبذلك تم إغلاق هذا الباب على العصابات المتمردة في الداخل. corinna kopf of leaks

5- التعامل بحكمة وحزم مع استعمال الحد الأدنى من القوة العسكرية مع قوى التمرد المسلحة ومد جسور التواصل مع الأقليات وتطمينها، وتم إجهاض تمردها العسكري فرادى والحيلولة دون خوض المعركة بوقت واحد معها، مما أدى في النهاية إلى القضاء على تلك الحركات وما بقي منها أصبح منبوذاً وبحكم الميت سريرياً.

والأخطر في حركات التمرد كلها تنظيم قسد والذي كان يملك الكثير من القدرات لتشكيل خطر حقيقي على الدولة الجديدة، وقد أدى انهياره السريع إلى إحباط كل القوى المعوّلة عليه، وبالتالي فقدان أيّ قوة حقيقية على الأرض يمكن أن تُشكّل خطراً في تقسيم سوريا أو نواة لثورة مضادة.

6- قدمت القيادة السورية نفسها للعالم بأنّ الكل رابح باستقرار سوريا ووحدتها، وبالتالي اعتبار سوريا قصة نجاح تستفيد منها كل دولة، وذلك فضل من التقسيم على أساس عرقي وطائفي كان سيتولد عنه حتماً ظواهر الإرهاب والفوضى والمخدرات والتي ستلقي بتداعياتها على الإقليم والعالم.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني