قصة الفيلسوف وبرجه العاجي

0

كتب توفيق الحكيم في كتابه البرج العاجي الذي صدر عام 1941 يقول: “البرج العاجي عند أكثر الناس معناه اعتصام الكاتب بالسحب اعتصاًما يقصيه عن أحداث الدنيا وحقائق الوجود، وهذا غير صحيح… على الأقل بالنسبة إليَّ… فما من حدث استوجب تحرك القلم إلا حرك قلمي… وما من أمر هز البشرية إلا هز نفسي بل ما من قضية من قضايا الحياة الكبرى التي تمس الإنسان وتطوره وتقدمه إلا شغلتني ودفعتني إلى الجهر بالرأي حتى في النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية… دون التفات إلى عواقب الرأي الحر والنقد المر… فما بالي أشهد تلميحاً بين آن وآن من رجال لإصلاح إلى هذا البرج العاجي كأنه وكر قصي يسكنه طائر منفرد لا يريد أن حط على جيفة من جيف الأرض(البرج العاجي. ص14 صدر الكتاب عام 1941 ثم صدر عن مؤسسة هنداوي 2023).

أوردت هذا النص الطويل للمبدع توفيق الحكيم لأنه يكشف عن دلالة الشبهة اللصيقة بالمبدع بأنه يعيش في برج عاجي بعيداً عن هموم البشر، وبخاصة الشبهة الواقعة بالفيلسوف. ومازالت هذه الشبهة تُقال كلما أراد أحد أن ينال من الفلسفة بخاصة.

أن يكون للمبدع، أي مبدع، برجه الخاص الذي يعيش فيه ويطل منه على العالم فهذا مما لا شك فيه أبداً.

فالبرج هنا هو عالمه الذي يمده بالفن والأدب والموسيقى والفكر والفلسفة وكل هذه الأصناف من الإبداع ذات ارتباط حميم بالحياة. هل هناك رواية من روايات نجيب محفوظ خارج حياة مصر ولا تعبر عن المجتمع المصري، من ذا الذي باستطاعته أن يتجاهل القيمة الجمالية لشعر المتنبي وهكذا.

وكذا الأمر بالنسبة إلى الفيلسوف، فالفيلسوف هو الذي يبني برجه الفلسفي الخاص، ويطل على العالم بعيون عقله الحادة النظر، وينثر أسنيته في سماء الحقيقة. تأمل معي مشكلات الفلسفة الآتية: الإنسان، المعرفة، الحقيقة، اللغة، الحرية، القانون، الدولة، البنية، القيم، الأخلاق، الجمال… إلخ هذا هو شغل الفيلسوف وهذا هو برجه العاجي.

ويجب ألا ننسى بأن برج الفيلسوف مبني على هذه الأرض ويطل على العالم ويمنح الناس الأسئلة الصحية التي لم تخطر على بالهم، ويزودهم بالمفاهيم التي هي الأدوات المعرفية، بل المفاتيح الصالحة لفتح أبواب الحقيقة.

الفيلسوف الذي يعيش في برجه العاجي بالمعنى الذي طرحه توفيق الحكيم مهندس الأسئلة التي تنطوي على إمكانية جواب واقعي، ليطرد أشباه الأسئلة التي لا جواب واقعي عنها.

عندما أقول بأن الفيلسوف يكتشف السؤال الحقيقي لا يعني بالضرورة بأن جوابه عن هذا السؤال أو ذاك جواب قطعي، بل هو يترك الباب مفتوحاً لكل الأجوبة الممكنة.

ولهذا فالعودة إلى أجدادنا الفلاسفة كالكندي والفارابي وابن سينا وابن باجة وابن طفيل وابن رشد عودة لامتحان أجوبتهم وليس لترديد ما قالوه.

أما من يسكن برجاً بناه غيرة، ويحوله إلى منبر خطابة يستشهد بأقواله المأثورة، فإنه يعيد سيرة خطباء المنابر. ومن أدمن الإقامة في الكهف وخرج منه حاملاً عقل الكهوف وراح يتسلق هذا البرج الفلسفي أو ذاك دون أن يفلح في ذلك، فهو العقل الرث المتطفل على قلب الفلسفة النابض بالحب. ليس من شيمة الفيلسوف أن ينزل من برجه المطل على العالم ليقارع المتجملين بقصاصة ورق تدلل على انتسابهم إلى هذا المبحث النبيل، أو الذين يشهرون سيوف اللاهوت الصدئة في وجهه. الفيلسوف يعلّم الناس الصعود، ولهذا فإن العجزة الذين لا طاقة لهم على الصعود يطلقون عليه رصاصهم الخلبي ظناً منهم بأنهم قادرون على النيل منه، ويصرخون: الفيلسوف يسكن برجه العاجي. ولأن الفيلسوف مرجع ذاته، ولسانه المستقل ينطق بما تمليه عليه ذاته الوقادة، فإن القطعان التي تسير وراء الأكباش التي لا تفكر، الأكباش المرددة للحماقات المألوفة، تتوسل بالضجيج كي تشوش على الفيلسوف صوته الناصع.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني