
في متاهة التصنيف: سوريون بين مفاتيح الجنة وصكوك الغفران
عندما تتحول الجغرافيا إلى “صكّ للوطنية” أو “صكّ للاتهام”
مدخل: من صراع سياسي إلى استقطاب أخلاقي
بعد أربعة عشر عاماً على اندلاع الثورة السورية، لم يعد الصراع محصوراً في جبهات القتال أو مسارات التفاوض، بل تمدّد إلى البنية العميقة للمجتمع، منتجاً حالة من الاستقطاب الأخلاقي تتجاوز السياسة إلى الوصم المتبادل. وفي الفضاء الرقمي، بات السوريون يخوضون معارك تصنيف وتخوين لا تقل ضراوة عن المواجهات الميدانية، الأمر الذي يهدد إمكان تشكّل هوية وطنية جامعة في مرحلة ما بعد النزاع.
تشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن أكثر من ثلاثة عشر مليون سوري أُجبروا على النزوح داخلياً أو اللجوء خارج البلاد، ما يجعل “التنقّل القسري” إحدى السمات البنيوية للأزمة السورية.
ومع ذلك، بدلاً من قراءة هذا التشظي السكاني بوصفه نتيجة مباشرة للعنف المنظم وتفكك مؤسسات الدولة، جرى تحويله إلى معيار للحكم الأخلاقي على الأفراد.
الجغرافيا كخطيئة سياسية
تحوّل المكان من حيّز اضطراري إلى أداة تصنيف، فمن بقي في مناطق سيطرة النظام وُصم أحياناً بالتواطؤ أو الرمادية، ومن لجأ إلى الشمال الغربي أُلصقت به تهمة التطرف، ومن استقر في الشمال الشرقي اتُّهم بالانفصالية، بينما لم يسلم لاجئو الشتات في تركيا أو ألمانيا أو غيرهما من اتهامات “الهروب” أو “التخلي”.
هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ أدلجة المكان؛ أي تحويل الجغرافيا إلى معيار للولاء، رغم أن أغلب هذه الخيارات لم تكن نتاج حرية سياسية، بل نتيجة نجاة فردية تحت تهديد مباشر.
فموظفٌ بقي في مؤسسة حكومية ليؤمّن قوت أسرته، أو نازحٌ اختار مخيماً لأنه لم يجد بديلاً، أو لاجئٌ اضطر لتعديل خطابه السياسي امتثالاً لقوانين بلد الإقامة—كلهم خضعوا لضرورات البقاء، لا لاختبارات النقاء الثوري. غير أن الخطاب السائد يتعامل معهم كما لو أنهم تصرّفوا في فراغ أخلاقي.
إن تحميل الأفراد مسؤوليات جماعية على أساس الجغرافيا هو شكل من أشكال الوصم الاجتماعي الذي يختزل الإنسان في عنوان إقامته، لا في أفعاله.
استنساخ أدوات الاستبداد
منذ اللحظة الأولى، تبنّى النظام السوري سردية ثنائية تقوم على مبدأ “من ليس معنا فهو ضدنا”، وهو منطق وثّقته تقارير منظمة العفو الدولية باعتباره غطاءً لشرعنة الانتهاكات الواسعة، بما في ذلك ما جرى في سجن صيدنايا.
غير أن المفارقة تكمن في تسلل هذا المنطق ذاته إلى بعض أوساط المعارضة والنشاط المدني. فإعادة إنتاج ثنائية “الولاء أو الخيانة” لا تمثل فقط فشلاً أخلاقياً، بل انتحاراً سياسياً؛ إذ تُقوّض الأساس القيمي لأي مشروع تغيير ديمقراطي.
إن الدولة البديلة لا تُبنى بإعادة توزيع الاتهامات، بل بتفكيك بنية الإقصاء ذاتها. فالمسألة ليست تغيير الأشخاص، بل تغيير المنطق الذي يحكم العلاقة بين المختلفين.
فخّ المثالية الراديكالية
يعاني الخطاب السوري الراهن من نزعة نحو ما يمكن تسميته بـ المثالية الراديكالية أو الطهرانية السياسية، حيث يُطالب الجميع بمواقف بطولية خالصة في سياقات قسرية معقّدة. هذا الميل يُحوّل السياسة إلى “محكمة تفتيش” تبحث في نقاء الضمائر لا في الأفعال المجرّمة قانوناً.
غير أن أدبيات بناء السلام، ومنها تقرير Pathways for Peace الصادر عن البنك الدولي، تؤكد أن المجتمعات الخارجة من النزاعات لا تُبنى على اختبارات النقاء، بل على مبادئ المواطنة والمساءلة القانونية الفردية.
المسؤولية في الدولة الحديثة مسؤولية فردية عن أفعال محددة يجرّمها القانون، لا مسؤولية جماعية مبنية على الموقع الجغرافي أو الخلفية الهوياتية.
وهنا تبرز معادلة جوهرية:
رفض الوصم لا يعني إسقاط مبدأ المساءلة، كما أن المطالبة بالمساءلة لا تبرر التعميم الجماعي.
شبح الثورة المضادة
في ظل هذا التشرذم والاستنزاف المتبادل، تبرز شبكات “الدولة العميقة” كأكثر الأطراف تماسُكاً وانتظاراً. إن استمرار خطاب التخوين يمنح السلطة القائمة فرصة لتقديم نفسها بوصفها الضامن الوحيد للاستقرار في مواجهة “فوضى المجتمع”.
إن الانشغال بتفتيش الضمائر بدلاً من بناء كتلة وطنية عابرة للجغرافيا هو أقصر الطرق لتمكين الثورة المضادة من إعادة إنتاج الاستبداد بأدوات جديدة.
نحو عقد اجتماعي جديد
إن تجاوز ثقافة “مفاتيح الجنة” و“صكوك الغفران” السياسية يقتضي الانتقال إلى أفق واقعي يعترف بالطبيعة البشرية المركبة. فالدولة لا تُبنى من ملائكة، بل من بشر يتفقون على قواعد عادلة تنظم اختلافهم.
يتطلب ذلك:
1. الفصل بين الانتماء الجغرافي والولاء السياسي.
2. التمييز بين الخطأ السياسي القابل للنقد والحوار، والجريمة القانونية الخاضعة للقضاء.
3. تبني العدالة الانتقالية إطاراً للمساءلة الفردية لا للانتقام الجماعي.
4. الاعتراف بأن تنوع التجارب لا ينفي وحدة الانتماء الوطني.
لقد دفع السوريون أثماناً باهظة خلال عقد ونصف من الزمن. وإذا استمر تحويل التجربة الإنسانية إلى تهمة، فإننا نعيد إنتاج المنطق ذاته الذي خرج السوريون لمواجهته.
الوطن لا يُبنى بالبحث عن أنقى الناس، بل بالقدرة على إدارة اختلافهم. والدولة الحديثة لا تولد من امتحانات الطهر، بل من عقد اجتماعي يحمي الجميع—بمن فيهم المختلفون.