المتغيرات الدولية وتصدّع الأحادية القطبية

0
العالم يدخل مرحلة تتراجع فيها قوة القانون أمام صخب السلاح

في هذا المشهد المتغير، لم يعد العرب خارج المعادلة: قمة طارئة، اتفاقيات دفاعية، وشراكات صناعية تعكس إدراكاً بأن البقاء مرهون بالقدرة على الردع.

في عالمٍ تتصدّره صور المناورات العسكرية أكثر من جلسات مجلس الأمن، يبدو أن النظام الدولي كما عرفناه يمرّ بمرحلة تحوّل جوهري.

القرارات تُقبض عليها بالفيتو، والمؤسسات تُشلّ أمام تعارض مصالح الكبار، بينما الميدان يمتلئ بالعروض البحرية والجوية التي تتحدّث بلغة أوضح من نصوص القانون الدولي.

لم يكن العرض العسكري الصيني في ساحة تيانانمن حدثاً بروتوكولياً عابراً. جلوس فلاديمير بوتين إلى جانب شي جين بينغ، وظهور كيم جونغ أون في أول استعراض دولي بهذا الحجم خارج حدود بلاده، كانا صورة مُلتقطة بعناية لتعلن أن موسكو وبكين ومعهما بيونغ يانغ وطهران لم تعُد تنوي الاكتفاء بمكانة المعارض في المحافل الدبلوماسية.

الرسالة التي حملها المشهد واضحة: تحالف صاعد يُريد أن يوازي الغرب في الميدان العسكري كما في الاقتصاد والسياسة.

المناورات البحرية المشتركة بين الصين وروسيا وإيران في خليج عُمان أكملت هذه الرسالة، إذ أظهرت أن التنسيق العسكري بين هذه القوى لم يعد افتراضاً بل ممارسة عملية في أكثر الممرات المائية حساسية، حيث يمر النفط والغاز نحو العالم.

وعلى الجانب الآخر من المشهد الدولي، لم يقف العرب مكتوفي الأيدي. قصف إسرائيل لقطر كان لحظة فاصلة، إذ دعا أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى قمة طارئة جمعت العرب والمسلمين في الدوحة.

في خطابه الافتتاحي قال: «لقد تعرضت عاصمتنا لهجوم غادر… مواطنونا فوجئوا بهذا العدوان، والعالم بأسره صُدم، إن هذا الاعتداء يمثل انتهاكاً جسيماً وفاضحاً لسيادة الدولة، ودهساً للاتفاقيات والأعراف الدولية».

لم يكن هذا الخطاب مجرد إدانة، بل كان تعبيراً عن وعي جديد بأن غياب الردع يجعل حتى أصغر الدول عرضة للانتهاك.

وقد جاء البيان الختامي للقمة ليؤكد أن «الدول المشاركة تعلن وقوفها الموحد مع قطر في مواجهة هذا العدوان، الذي يُعتبر انتهاكاً صارخاً لسيادتها، وخرقاً سافراً للقانون الدولي، وتهديداً خطيراً للسلم والأمن الإقليمي والدولي».

لكن الأهم كان ما تلا القمة من خطوات عملية.

السعودية، التي لطالما ارتبط أمنها بتحالفها التاريخي مع الولايات المتحدة، وقعت في سبتمبر 2025 اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان.

نص الاتفاق بوضوح على أن «أي اعتداء على أحد الطرفين يُعتبر اعتداءً على الآخر»، في سابقة تعكس إعادة صياغة لمفهوم الأمن الإقليمي.

وجاء في البيان المرافق أن «الاتفاقية ذات طبيعة دفاعية بحتة وليست موجهة ضد أي طرف ثالث، وستسهم في تعزيز السلام والأمن والاستقرار الإقليمي».

من جانبه الرئيس المصري وصف إسرائيل بالعدو وهي المرة الأولى منذ العام 1987 حين وقعت مصر وإسرائيل اتفاقية كامب ديفد للسلام.

هذا التحول لم يكن مجرد إبرام معاهدة جديدة، بل كان إشارة إلى أن العرب باتوا يبحثون عن ضمانات ردع خارج المظلة التقليدية التي لم تثبت فعاليتها في لحظات الخطر.

في القاهرة، بدت الصورة أكثر براغماتية

بعد سنوات من القطيعة السياسية مع أنقرة، عادت العلاقات المصرية – التركية لتتخذ منحى عملياً من خلال التعاون في التصنيع العسكري.

الاتفاق مع شركة HAVELSAN التركية لإنتاج مسيرات قتالية داخل مصر حمل في طياته أكثر من بعد.

ففي كلمة الشركة التركية قيل إن «هذا التعاون يمثل ليس مجرد نقل للتكنولوجيا، بل تبادلاً للخبرات والرؤى الاستراتيجية… نحن فخورون بالمشاركة في إنتاج مسيرات قتالية مسيّرة متطورة مع شركائنا المصريين». بهذا المعنى لم يعد التحالف مع تركيا خطوة سياسية لإغلاق ملف الخلافات وحسب، بل كان دخولاً في مسار يهدف إلى تنويع مصادر السلاح، وبناء صناعة دفاعية محلية قادرة على المنافسة.

هذه التحركات العربية، من قمة الدوحة إلى اتفاقية الرياض – إسلام آباد، وصولاً إلى التعاون العسكري بين القاهرة وأنقرة، تشكل كلها معالم إدراك متنامٍ بأن النظام الدولي لم يعد يحتمل دور “المتلقي” التقليدي، فكما تحاول الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية تقديم نفسها كجبهة مضادة للهيمنة الغربية، بدأت العواصم العربية الكبرى تسلك مسارات موازية، تدرك أن بقاءها مرهون بقدرتها على بناء توازن ردع إقليمي، وتنويع تحالفاتها، وتوطين صناعاتها الدفاعية.

في المقابل، تظل الأمم المتحدة شاهدة على عجزها قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالجولان بقيت معلقة، والفيتو الروسي حال دون محاسبة النظام المخلوع في سورية، فيما استخدمت الولايات المتحدة حق النقض مراراً لحماية إسرائيل من أي إدانة جدية.

كل ذلك يعمق الانطباع بأن القانون الدولي لم يعد سوى مرجع معنوي، بينما الشرعية الحقيقية تُصاغ في البحر، وفي ميادين العرض العسكري، وفي المختبرات التي تُنتج أجيالاً جديدة من الطائرات المسيّرة والصواريخ البعيدة المدى.

غير أن المشهد لا يشي بعودة إلى ثنائية قطبية واضحة على غرار الحرب الباردة.

ما يتشكل اليوم أكثر تعقيداً: تحالفات متحركة، مصالح متداخلة، واستعراضات متواصلة للقوة، تُذكّر الجميع بأن الشرعية لم تعد تُكتسب في قاعات نيويورك، بل تُفرض في الساحات.

وهنا يبرز السؤال: هل ما نشهده هو بداية نظام عالمي متعدد الأقطاب، أم أننا أمام فوضى دولية جديدة تُدار بالموازين المؤقتة للسلاح أكثر مما تُدار بالقوانين؟

ما يمكن قوله بثقة أن العرب لم يعودوا مجرد متفرجين.

التحركات الأخيرة، بما فيها الاتفاقيات الدفاعية والشراكات الصناعية، تُظهر أن المنطقة قررت أن تكون جزءاً من عملية إعادة تشكيل العالم.

وهذا بحد ذاته تطور غير مسبوق منذ عقود، فإذا استمر هذا المسار، فإن العرب قد يجدون للمرة الأولى منذ زمن طويل موقعاً جديداً في النظام الدولي، موقعاً لا يقوم على البيانات والبيانات المضادة، بل على معادلة واضحة: من يملك القوة، يملك أيضاً حق الجلوس إلى الطاولة.

وبالتالي سيفكر العدو ألف مرة قبل أن يقدم على العدوان.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني