
فلسطين في صراع مع الثكنة والحل المنطقي الواقعي
كان صديقنا المفكر والقائد الفلسطيني النبيل الراحل، الدكتور الياس شوفاني، ينفي صفة الدولة عن اسرائيل، ويصفها بالثكنة العسكرية. والحق بأن الصهيونية وبمساعدة بريطانيا المستعمرة لفلسطين قد أسست ثكنة عسكرية ومجتمع عسكري، اعتقاداً منها بأن الثكنة العسكرية وحدها القادرة على البقاء بما تمتلك من قوة مسلحة تزودها بها الدول الأوربية ثم أمريكا. وبالتالي فإن هذه الثكنة منذ نشوئها وحتى الآن تخوض حرباً مع أهل الأرض بكل الوسائل: سرقة وطن، قتل، اغتيال، خطف، أسر.
إن هذه الواقعة غير المعقولة التي تمت على أرض فلسطين لا يمكنها الاستمرار في البقاء فالبقاء بذهنية الثكنة العسكرية، والسلوك تأسيساً على هذه الذهنية أمر متناقض جداً مع مفهوم الدولة، ولا يمكن أن تقوم دولة لجماعة استيطانية والشعب الفلسطيني ابن الأرض متجذر في هذه الأرض وجوداً مادياً وروحياً ووعيه بحقه يزداد يوماً بعد يوم.
بكلمة واحدة غزة والضفة والجليل والنقب مجتمعات طبيعية تكونت تاريخيا عبر قرون من الزمن، وفي محيط عربي الهوية متطابق مع هوية الفلسطيني.
وهذا مختلف عن السور والأسلاك الشائكة وأبراج المراقبة والحواجز العسكرية-الأمنية وعسكرة كل السكان والخوف الدائم والقلق على الأمن.
الفلسطيني أينما يعيش في فلسطين أو خارجها هو ابن الحياة ومحب الحياة، فالصراع الدائر بين الفلسطيني والصهيوني صراع بين محب الحياة والشاعر بالأمان الوجودي من جهة، والخائف الدائم على الحياة وعلى عودة أرض مسروقة من محب الحياة.
فما هو الحل المنطقي للقضية الفلسطينية؟
إن أفضل حل جذري منطقي للقضية الفلسطينية هو تخلي اليهود عن أوهامهم وخرافاتهم الدينية التي لا أساس واقعياً لها، والعودة إلى البلدان التي أتوا منها إلينا أو البقاء لمن شاء في ديارنا دون دولة. فالتعايش مع دولة لجماعة غريبة الوجه واليد واللسان محتلة لوطن شعبه معلوم وعائش فيه منذ مئات السنين وهو جزء لا يتجزأ من حضارة الوطن العربي وثقافته، التعايش مع هذه الدويلة الزائفة، ضرب من المستحيل. والدليل على ذلك فإنه ليس هناك صراع يبدأ قبل قرن من الزمان ويظل مستمراً حتى الآن ولا أفق لنهايته.
واندماج اليهود في المجتمع العربي دون دولة شأنهم شأن الأقوام التي قدمت إلى العربية واندمجت مع العرب واحتفظت ببعض سماتها الثقافية أمر ممكن.
والقوة العسكرية ليست أداة استقرار مجتمع، والشعور بالخطر الدائم من أهل الأرض يلغي معنى الحياة الطبيعية. والبقاء في قلب حقل ثقافي – جغرافي متجانس – وأنت غير منتم إليه ضرب من المستحيل.
إن أساطير الجماعات ثقافة جميلة وممتعة لكن لا يمكنها أن تكون أساساً لتكوين الدول في عالمنا المعاصر.
إن الغباء الاجتماعي للحركة الصهيونية واللاسامية الأوربية اشتركا في ولادة ظاهرة غير قابلة للحياة.
بل ولو إن اليهود القادمين من دول شتى إلى فلسطين جاؤوا دون أيديولوجيا، وبمعرفة بخبث اللاسامية، لو إن هؤلاء اليهود استغلوا ثقافة المنطقة القائمة على اعتراف المسيحية والإسلام بأن اليهودية كدين سماوي، وعلى الاعتراف بكل الشخصيات المتوهمة في التاريخ اليهودي على إنهم أنبياء من الإله، وإن اسماء كإبراهيم وموسى وداوود وإسحق الخ هي أسماء عدد كبير من العرب المسلمين والمسيحيين، لو أن هؤلاء اليهود اقتنصوا هذا الإرث الثقافي الديني العربي لكانوا جزءاً لا يتجزأ من بنية المنطقة.
والدليل بأن يهود العراق وسوريا واليمن ولبنان وتونس والمغرب الخ كانوا جزءاً من النسيج السكاني للمنطقة دون أي تمييز. وكان منهم سياسيون ومفكرون وأعضاء برلمانات ومؤرخون ورجال أعمال وحرفة وسكان مدن.
مرة أخرى إن أخطر ظاهرة على الحياة تكمن في تحول الأساطير الدينية إلى أيديولوجيات سياسية، وتأسيس العصبية السياسة عليها، وتكوين الدويلات استناداً إليها.
إن ما أطرحه هو المنطقي الواقعي الذي سيكون حتماً. متى؟
أنا لا أدري، لكن ما أدريه بأن قوة المنطق الواقعي لكي تحقق أهدافها تحتاج إلى منطق القوة الواقعي أيضاً.