استطلاع بين العائدين يكشف أن البيروقراطية وضعف الإدارة وأزمة السكن تعيق عودة الموظفين إلى سوق العمل
عندما يعود أبناء دير الزور إلى مدينتهم بعد سنوات من النزوح والاغتراب، يخيّل لكثير منهم أن أصعب مراحل الرحلة قد أصبحت وراءهم. غير أن العودة إلى المدينة أو المحافظة لا تعني بالضرورة استعادة الحياة المهنية. فوفق استطلاع ميداني شمل 22 مشاركاً من العائدين أو الراغبين في العودة إلى سوق العمل في محافظة دير الزور، يرى نحو 77% من المشاركين أن البيروقراطية وتعقيد الإجراءات الإدارية تمثلان العائق الأكبر أمام استعادة وظائفهم.
ويكشف هذا الاستطلاع، الذي ضم مشاركين يقيمون داخل سوريا وخارجها وينتمون إلى قطاعات مهنية متنوعة مثل الزراعة والتعليم والإدارة المحلية والخدمات الصحية، عن مفارقة واضحة: فبينما بدأت المدينة تستعيد بعض سكانها، لا تزال عودة الحياة المهنية تسير بوتيرة أبطأ بكثير.
سوق العمل بعد الحرب
تكبّدت محافظة دير الزور خلال سنوات الحرب أضراراً واسعة طالت البنية التحتية والمؤسسات العامة، كما أسهمت موجات النزوح والهجرة في فقدان جزء كبير من الكوادر المهنية والإدارية التي كانت تشكل العمود الفقري للقطاعين العام والخاص.
ومع بدء عودة بعض السكان تدريجياً خلال السنوات الأخيرة، برز تحدٍ مزدوج أمام المؤسسات المحلية: إعادة تشغيل القطاعات الاقتصادية من جهة، واستيعاب الموظفين العائدين من جهة أخرى. وتشير تقارير دولية إلى أن الاقتصادات الخارجة من النزاعات تحتاج إلى إصلاحات مؤسسية عميقة لإعادة بناء سوق العمل واستعادة الكفاءات المهنية.
البيروقراطية في صدارة المعوقات
تُظهر نتائج الاستطلاع أن التعقيدات الإدارية داخل المؤسسات الحكومية تمثل العائق الأبرز أمام عودة الموظفين إلى وظائفهم. فقد أكد 17 مشاركاً من أصل 22 أن بطء الإجراءات وغياب آليات واضحة لمعالجة ملفات الموظفين المنقطعين عن العمل خلال سنوات النزاع يؤخر عودتهم إلى وظائفهم.
يقول أحد المشاركين الذي كان يعمل مراقباً بيطرياً قبل النزوح:
“حاولت العودة إلى عملي بعد عودتي إلى دير الزور، لكن المشكلة الأساسية أن الحكومة لم تعالج حتى الآن ملفات الموظفين المفصولين.”
كما يلفت موظف سابق في الإدارة المالية في المحافظة الانتباه إلى جانب آخر من المشكلة قائلاً:
“المشكلة ليست فقط في القرار، بل في طريقة تطبيقه. كثير من المسؤولين لا يملكون وضوحاً كافياً في فهم التعليمات الإدارية.”
تحديات اقتصادية ومعيشية
ولا تقتصر المعوقات على الجوانب الإدارية فحسب، إذ يواجه العائدون أيضاً مجموعة من التحديات الاقتصادية التي تؤثر مباشرة في قرار العودة إلى العمل. فقد أفاد 68% من المشاركين بأن غياب الاعتمادات المالية الكافية للرواتب يمثل أحد أبرز أسباب تأخر العودة إلى الوظائف.
كما أوضح 55% من المشاركين أن ضعف الرواتب مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة يجعل العودة إلى العمل خياراً اقتصادياً غير مغرٍ في كثير من الحالات، في حين رأى نحو 45% أن تكاليف النقل تمثل عائقاً إضافياً، خاصة لمن يقيمون بعيداً عن مراكز العمل.
أزمة السكن
إلى جانب هذه التحديات، كشفت بعض الإجابات عن عامل آخر لا يقل أهمية، وهو أزمة السكن، ولا سيما بالنسبة للعائدين من الخارج.
يقول أحد المشاركين:
“عدم وجود مكان للسكن في دير الزور، وأنا حالياً أقيم مع عائلتي في مخيمات تركيا.”
وتعكس هذه الشهادة أن العودة المهنية في بعض الحالات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بإمكانية العودة السكنية والاستقرار المعيشي داخل المدينة.
الفساد والمحسوبيات
كما أشار بعض المشاركين إلى أن الفساد الإداري والمحسوبيات يمثلان عائقاً إضافياً أمام إعادة دمج الموظفين في المؤسسات.
ويقول أحد المشاركين:
“انتشار المحسوبيات يمثل عائقاً حقيقياً، وقد تعرضت شخصياً لهذا المعوق.”
وتسلّط هذه الشهادات الضوء على شعور لدى بعض العائدين بأن فرص العودة إلى العمل قد تتأثر أحياناً بالعلاقات الشخصية أكثر من الكفاءة المهنية.
خارطة معوقات العودة
تلخص نتائج الاستطلاع أبرز التحديات التي تواجه العائدين في أربع فئات رئيسية:
- عائق إداري 77%: البيروقراطية وضعف الكفاءة الإدارية
- عائق مالي 68%: غياب الاعتمادات المالية للرواتب
- عائق معيشي 55%: انخفاض الرواتب مقارنة بتكاليف المعيشة
- عائق لوجستي واجتماعي 45%: تكاليف النقل وأزمة السكن
عودة الناس لا تكفي
تبيّن نتائج الاستطلاع أن معوقات العودة إلى العمل لا تعمل بشكل منفصل، بل تتداخل لتشكّل منظومة مترابطة من التحديات الإدارية والاقتصادية والمعيشية. فالتعقيدات البيروقراطية وضعف الكفاءة المؤسسية، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، تخلق بيئة لا تشجع كثيراً من العائدين على استعادة وظائفهم أو إعادة الاندماج في سوق العمل المحلي.
وفي هذا السياق، يتضح أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في قرار العودة إلى المدينة بحد ذاته، بل في القدرة على استعادة الدور المهني داخل المؤسسات وسوق العمل. فإعادة بناء المدن الخارجة من النزاعات لا تقتصر على إعادة إعمار البنية التحتية، بل تتطلب أيضاً إعادة بناء المؤسسات الإدارية والاقتصادية القادرة على استيعاب الكفاءات المهنية وإعادة تشغيل سوق العمل.
ويرى عدد من المشاركين أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب خطوات مؤسسية واضحة، من أبرزها إصدار إطار قانوني لتسوية أوضاع الموظفين المنقطعين عن العمل خلال سنوات النزاع، إضافة إلى إنشاء آلية أو مكتب تنسيق إداري موحد يتولى متابعة ملفات العائدين وتسريع إجراءات إعادتهم إلى وظائفهم.
في النهاية، تبدو عودة السكان إلى دير الزور خطوة مهمة في مسار التعافي، لكنها لن تكون مكتملة ما لم تترافق مع سياسات فعالة تسمح بإعادة دمج العائدين في سوق العمل وتحويل خبراتهم المهنية إلى رافعة حقيقية لإعادة تنشيط الاقتصاد المحلي. فعودة الناس إلى مدنهم لا تعني بالضرورة عودة الحياة المهنية إلى طبيعتها، ما لم تُستكمل بعودة الفرص والعمل أيضاً.