
ضربة الدوحة: نهاية وهم الوساطة؟
في التاسع من سبتمبر 2025، اهتزت المنطقة على وقع خبر استهداف الطيران الإسرائيلي لاجتماع لقيادات حركة حماس في قلب العاصمة القطرية الدوحة. لم يكن الحدث عادياً، فإسرائيل درجت على اغتيال قادة حماس في غزة أو الخارج، لكن أن تنفذ هجوماً بهذا الحجم داخل قطر ــ الدولة التي احتضنت قيادات الحركة لسنوات بطلب أمريكي ــ فهذا تحوّل خطير ينسف قواعد اللعبة.
من الملاذ إلى ساحة الصراع
استضافة قطر لقيادات حماس جاءت في 2012 بعد خروجهم من دمشق، وتمّت بتنسيق مع واشنطن، لتكون الدوحة قناة اتصال بين الولايات المتحدة والجماعات الإسلامية، تماماً كما فعلت مع طالبان. لكن الضربة الأخيرة حملت رسالة واضحة: لا أمان حتى في الدوحة.
حماس والإسلام السياسي: فشل متجدد
منذ صعودها إلى السلطة في غزة عام 2007، مثّلت حماس نموذجاً لتجربة الإسلام السياسي في الحكم. بدلاً من بناء مشروع وطني جامع، انغمست الحركة في صراعات أيديولوجية، وساهمت في تعميق الانقسام الفلسطيني بين غزة والضفة. دعمها القطري والمالي لم يترجم إلى نهضة اقتصادية أو إصلاح اجتماعي، بل عزز سلطة مشدودة إلى السلاح والشعارات الدينية.
اليوم، يُظهر استهداف قادتها في قطر هشاشة هذه الخيارات، ويكشف أن الإسلام السياسي، مهما رفع من شعارات المقاومة، يبقى عاجزاً عن تقديم مشروع سياسي واقتصادي قابل للحياة.
اليمين الإسرائيلي: عقيدة لا تعرف التسويات
على الجانب الآخر، يتحرك اليمين الإسرائيلي بقيادة بنيامين نتنياهو بعقيدة دينية ترى في “أرض الميعاد” حقاً إلهياً لا يقبل النقاش. هذا الخطاب الديني المتطرف جعل من التسوية السياسية وهماً، ومن حل الدولتين مجرد شعار فارغ.
فبينما تستند إسرائيل إلى “الوعد الإلهي”، تستند حماس والجماعات الإسلامية إلى “مشروع الخلافة”. النتيجة واحدة: عنف متبادل يغلق أبواب السياسة، ويدفع شعوب المنطقة نحو اليأس والتطرف.
وساطة على المحك
الدوحة التي بنت سمعتها الدولية كوسيط ــ من طالبان إلى حماس ــ تلقت ضربة موجعة. فكيف يمكن لطرف أن يلعب دور الوسيط، فيما تُستهدف قيادات الضيف على أراضيه؟ الخاسر الأكبر هنا ليس فقط قطر، بل فكرة الوساطة ذاتها، ما يعني أن العنف قد يصبح الخيار الوحيد المطروح أمام الأطراف المتصارعة.
واشنطن: غياب الرشد السياسي
الولايات المتحدة بدت مرتبكة. تصريحاتها اكتفت بالتعبير عن “الأسف” مع التأكيد على مشروعية استهداف حماس. لكن هذا الموقف أضعف صورتها أمام حلفائها العرب، الذين وجدوا أنفسهم مكشوفين مرتين خلال ثلاثة أشهر: مرة أمام هجوم إيراني على قاعدة العديد في يونيو، ومرة أمام غارات إسرائيل في سبتمبر.
إلى أين؟
ما جرى في الدوحة يكشف حقيقة مرة: حين يسيطر الإسلام السياسي على الضفة الفلسطينية، واليمين الديني على الضفة الإسرائيلية، فإن المنطقة لا تنتج سوى حروب مفتوحة. كلا الطرفين يختزل الصراع في نصوص دينية، فيما الشعوب تبحث عن دولة مدنية حديثة تعيش بسلام واستقرار.
النتيجة أن ما حدث في الدوحة لم يكن مجرد اغتيال لقادة حماس، بل اغتيال لوهم الوساطة، وضربة جديدة لفكرة الحل السياسي. وإذا استمر هذا المسار، فإن الشرق الأوسط يتجه نحو مزيد من التطرف والعنف، حيث يختفي صوت العقل، وتبقى الشعارات الدينية سيدة الموقف.