
سيكولوجية القهر الجماعي: التجربة السورية نموذجاً
تشكّلت سيكولوجية المجتمع السوري خلال أكثر من خمسة عقود من القمع المنهجي، الذي بدأ مع ترسيخ البنية الأمنية بعد عام 1970، ثم بلغ ذروته في مجزرة حماة عام 1982، التي قُتل فيها ما بين 20 و40 ألف مدني خلال أسابيع. خلّفت تلك الكارثة «ذاكرة محجوبة» امتدّ أثرها لعقود، حيث انتقلت مشاعر الخوف والرقابة الذاتية عبر الأجيال، وأصبح استحضار الماضي محفوفا بالمخاطر داخل البيوت نفسها.
مع اندلاع الثورة عام 2011، انفجرت طبقات الألم المكبوتة. لم يكن العنف مجرد قمع سياسي، بل عملية تدمير مجتمعي واسعة شملت أكثر من نصف مليون قتيل، و130 ألف مختف قسريا، وتهجير أكثر من 12 مليون شخص، إضافة إلى استخدام الأسلحة المحظورة والقصف الممنهج الذي دمّر المدن السورية. هذه الوقائع تُرجمت نفسيا إلى مستويات مرتفعة من “الصدمة المركّبة”؛ إذ تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أنّ غالبية اللاجئين يعانون اضطرابات نفسية مزمنة، وأن الأطفال يعيشون آثار صدمة ممتدة تُشكّل وعيهم المبكر وتؤثّر في شخصياتهم. ولا تقتصر الصدمة على الأغلبية السنية فحسب، بل طالت أيضا بعض المكونات التي شاركت في الثورة أو عارضت النظام، ما يضيف بعدا شموليا لتجربة القهر الجماعي.
رغم ذلك، لم ينهَار المجتمع السوري، بل طوّر آليات تكيّف ثقافية واجتماعية.
شكّلت “الفكاهة السوداء” وسيلة لتخفيف وطأة الخوف، فيما تحوّلت “الأناشيد الثورية” وطقوس التأبين إلى معالجة جمعية غير رسمية. كما حافظت شبكات التكافل التقليدية في المخيمات والمنافي على حدٍّ أدنى من “رأس المال الاجتماعي” الذي منع التفكك الكامل.
ومع أنّ النظام قد سقط منذ عام، فإنّ “التحدّي الأعمق لا يتمثّل في سقوطه بحد ذاته، بل في استمرار أثره البنيوي والنفسي داخل البنية الاجتماعية، وما خلّفه من ثقافة سلطوية وأنماط قهرية قابلة لإعادة إنتاج نفسها ما لم تُعالَج جذريا”.
فالخطر اليوم يكمن في أن يحمل المجتمع داخله بقايا المنظومة التي كبّلته لأجيال، بما يشمل الخوف المتوارث، منطق الغلبة، وانعدام الثقة، وتطبيع العنف. ولمواجهة هذا الإرث، تبرز الحاجة إلى برامج دعم نفسي واجتماعي واسعة النطاق، وتدريب مختصّين محليين في تقنيات العلاج الجماعي، إضافة إلى إطلاق مبادرات للذاكرة والاعتراف بالضحايا. كما تشكّل “العدالة الانتقالية” بما تتضمنه من كشف الحقيقة، المساءلة، جبر الضرر، والتوثيق شرطا أساسيا لتمهيد الطريق نحو “عدالة تصالحية” تعيد ترميم النسيج الاجتماعي وتمنع انتقال العنف عبر الأجيال.
لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً في الصراع من حيث حجم الضحايا، الاستهداف الممنهج، والتهجير الواسع. والسؤال الذي يبقى مفتوحا: “هل يستطيع هذا المجتمع أن يحوّل صموده إلى شفاء، وأن يخرج من نصف قرن من القهر المركّب من دون أن يعيد إنتاجه داخلياً؟”.
لم يعد السؤال اليوم: متى تنتهي المعاناة؟
بل: “هل سنكون أول شعب يخرج من نصف قرن من القهر المركّب دون أن يتحوّل، هو نفسه، إلى جلّاد؟”.
إنّ التاريخ يراقب، والله يشهد، ونحن ما زلنا نكتب الإجابة بدمائنا وصبرنا وأملٍ لم يستطع أعتى طغيان أن يخمد جذوته.