
سورية والأردن خيارُهما تقاربٌ مثمر
إنَّ سورية والأردن بالأصل هما قسمان من إقليم واحد عُرِف تاريخياً باسم بلاد الشام، ويجمع هذين البلدين كلُّ مقومات الاتحاد مثل وحدة الجغرافيا، والوحدة العرقية والدينية إلى حدٍّ بعيد، وهناك تقارب وتداخل مجتمعي وعشائري، ويربط البلدين تاريخ مشترك وتشابه ثقافي.
وكذلك اليوم، ورغم كل التغيّرات والاعتبارات، ومن خلال منظار واقعيّ ومعاصر، ومن زاوية فوق كلّ الإيديولوجيات والأسبقيّات، فإن سورية والأردن دولتان مستقلتان، لكلٍّ منهما سيادتها، ولكن إنهما دولتان متجاورتان ومتقاربتان، وإن متطلبات المصالح المشتركة تدعو الدولتين إلى تعزيز وشائج وعرى التقارب ومدّ جسور التواصل، وإن ما يحتّم ذلك عقلانيّاً هو أن سورية تشكّل بوابة الأردن نحو الشمال وتركيا ثم أوروبا، وكذلك فإن الأردن هي بوابة سورية نحو الجنوب فالجزيرة العربية ثم آسيا.
إن كلّ ما أسلفنا ذكره يدفعنا لوضع تصور أو خطة لمستقبل العلاقات بين البلدين، فما هو الخيار الأفضل؟
يجب وضع أسس وخارطة طريق لمشروع التكامل بين سورية والأردن، ويمكننا الإشارة إلى أهم وأقوى شروط ومقوّمات هذا التكامل:
أولاً- إعادة تأهيل وتجهيز وتحديث الطريق الدولي القادم من أوروبا وصولاً إلى الخليج العربي ويمرُّ خلال البلدين، بل وتعزيز ودعم طرق وأساليب النقل، فيمكن تجهيز وتفعيل سكة قطارات حديثة، كما ويجب توسعة وتطوير الموانئ، ولا يخفى علينا لهذه الغاية أنه من الضروري تأمين طرق النقل والممرات والمعابر وحمايتها من كافة المعيقات أو الأخطار، وعلى رأس ذلك مسألة المخدّرات وتهريبها والاتّجار بها، فيجب على الدولة السورية مكافحة المخدرات والقضاء التامّ والنهائي على مصادر المخدرات وعلى عصابات وأباطرة تهريبها وتجارتها، وهنا فإن الأردن مدعوّ إلى تفهّم جذور المشكلة وعوامل استفحالها ثم المساهمة الفعالة والمساعدة الجادّة في حلّها والتعامل معها.
ثانياً- البدء بالتخطيط المشترك لبلورة وترسيخ فكرة (التكامل بين البلدين) والانطلاق منها ومراعاة مقتضياتها خلال إعداد الخطط العامة والاستراتيجية في كلا البلدين، ويمكننا الإيضاح وتفصيل المجالات:
1- مجال الإنتاج والتسويق في الصناعة والزراعة: فمثلاً في الصناعات الثقيلة مثل التعدين وصناعة وسائل النقل، فإنه يمكن إقامة معمل واحد لسد حاجة البلدين، ويمكن تطبيق هذا التوجّه في كثير من الصناعات.
أما في مجال المنتجات الزراعية، فيمكن التنسيق التام لجعل سوق البلدين واحداً، ويتم التخطيط للإنتاج وللتصريف على هذا الاعتبار، فمثلاً فائض الحبوب السورية يتم تصديره للأردن، وخضار الأغوار الأردنية تدعم السوق السورية.
2- وكذلك في مجال النفط، فيمكن لسورية- بعد تأهيل قطاع النفط والغاز وتطويره- أن تقوم بالتزويد الكامل للأردن بواسطة خطوط أنابيب تصل إلى مصافي النفط في الأردن، وهذا يوفّر أجور نقل استيراده بحراً، وهذا يقودنا إلى الحديث عن الطاقة الكهربائية التي هي مجال مناسب جداً لتطبيق التكامل، حيث تُقام محطات التوليد، ويمكن صيانة بعضها في بلد بالاعتماد على محطات احتياطية في البلد الآخر، كما يمكن التبادل بين محطات الطاقة الشمسية والمحطات الحرارية أو الكهرومائية، حيث لكلٍّ منها إنتاج أعظمي وقته يختلف عن توقيت المحطات الأخرى، فيمكن التنسيق عندما تكون الشبكة بين البلدين واحدة ومتصلة.
ويمكن أن تُقام في سورية بعض صناعات البتروكيماويات ومشتقاتها، والأسمدة المعتمدة على النفط تُقام في سورية، ويمكن أن تُقام في الأردن صناعة الإسمنت والأسمدة الفوسفاتية.
3- صناعات الأدوية: يمكن تصنيع بعض الأصناف في الأردن تكفي حاجة البلدين، وتصنيع أصناف أخرى في سورية للبلدين.
4- وفي مجال الصحة، يمكن اعتماد نظام طوارئ مشترك، وكذلك بعض العمليات الجراحية المعقدة يمكن أن يقوم مركز متخصص في أحد البلدين بالقيام بإجرائها ويكفي البلدين، وعمليات أخرى يتم إجراؤها في البلد الثاني.
5- وفي مجال التعليم العالي، فيمكن لبعض البروفيسورات أن يمارسوا نشاطهم العلمي ويلقوا محاضرات في جامعات كلا البلدين، وكذلك تبادل الكتب الجامعية العلمية الهامة.
6- أما في مجال السياحة، فمن المفيد جداً التشارك والتكامل، فيتم تسويق مشترك وبرامج مشتركة، حيث يأتي السائح لسورية والأردن في نفس الرحلة أو الجولة، وكذلك يمكن التنسيق التام والذكي من أجل مسألة الاستيعاب، حيث يمكن لفنادق الأردن أن تستوعب جزءاً من السياح في جنوب سورية، أو بالعكس فنادق سورية تستوعب سائحين في الأردن، كما يمكن تشجيع السياحة بين البلدين لمواطنيهما.
وأخيراً: إن التعاون بين سورية والأردن ضروري جداً لأن هناك ظروفاً محيطة صعبة، وهناك تحدّيات ومخططات خطيرة تتعارض وتتناقض مع مصالح البلدين.
إن التعاون الاقتصادي يمنح قوةً سياسية وأمنية ودفاعية، ويضمن السلام والاستقرار، وبالتالي النجاح والازدهار.