
سورية الجديدة تحتاج إلى عقلية جديدة
إن المقصود بـ سورية الجديدة هو سورية مهد الحضارات، ولكن بعد انطواء فترات ضعف وتخلّف، ثم تحديداً بعد خلاص سورية من نظام حكم وظيفيّ همجيّ تسلّم السلطة الدكتاتورية فيها خلال سبعة عقود مضت، مما نتج عن ذلك تخلّف سورية وتراجعها مسافة قرنٍ من الزمن.
أما المقصود بـ العقلية الجديدة فهو: آلية تفكير وطرق استقراءٍ واستجلاءٍ وتحليل حديثة ومتطورة، ثم أساليب إدارةٍ وتٓكيّفٍ وتأقلمٍ مع المعطيات وتعاملٍ مع الظروف بأساليب مغايرةٍ ومختلفةٍ عن جميع ما سبق من أساليب، خاصةً أنه ثبت أن جميعها قد فشلت وكرّست التخلف وتسببت بالحرب والتدمير.
ولكن، إنه مع الحاجة والضرورة إلى التغيير الجذري والتجديد إلا أنه يجب مراعاة خصوصية الحالة السورية المستجدة بعد الحرب الإجرامية الشعواء التي تم شنُّها بشكل متواصل من النظام الأسدي ضد الشعب السوري ردّاً على ثورته العادلة، ويجب الأخذ بالحسبان وبعين الاعتبار لجميع نواتج ورواسب وتأثيرات هذه الحرب وتأثيرات ما سبقها أيضاً من طائفيةٍ مقيتةٍ وإقصاءٍ ومافياويةٍ وإجرامٍ خلال عشرات السنين.
والآن إذا قاطعنا وضربنا وفاضلنا وكاملنا جميع أطراف ومعطيات المعادلة السورية فسوف ينتج معنا ما يلي:
أولاً: منطلقات ومرتكزات عامة
1- لا يمكن الفصل بين الجوانب والنشاطات على اختلافها فهناك تداخلات وتأثيرات بنيويّةٍ بين الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وعلى سبيل التفصيل، فإنه لا يمكن فصل القطاع الاقتصادي وآلياته عن رواسب وثوابت الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية، وبالتفصيل أكثر، لا يمكن منح امتياز أو فرصة اقتصادية لصالح مجرمي حروب وفاسدين ولصوص النظام المخلوع.
2- يجب استبعاد جميع نظريات وقوانين وأنماط ومناهج النظام البعثي السابق، وذلك:
أولاً: لأنها كانت مجرّد وسائل وأدوات نظام أقلوي وظيفي.
ثانياً: لأنها أثبتت فشلها الذريع.
3- يجب استبعاد النظريات المقولبة مثل الاشتراكية والرأسمالية والليبرالية والفيدرالية وغير ذلك، لأنه تم تفصيلها لظروف ولشعوب مختلفة، ولأنها بتطبيقٍ غير ناضج قد أثبتت فشلها.
4- يجب استبعاد جميع النظريات والأطروحات والمشاريع الأيدولوجية والراديكالية والدينيّة، وذلك لأنها لازالت متأخرة، ولم يجري تطويرها وتحديثها، ولأنها قد فشلت عند محاولة تطبيقها، ولأن سورية بضعفها الآن لا تتحمّل ثقل تجربتها وتوابع فشلها.
5- إن سورية تحتاج إلى مفكرين منتمين إلى قضيتها، وتحتاج إلى تفكير وأفكار تنطلق من الحيثيات والمعطيات الخاصة بسورية الجديدة، فيتم ابتكار أو اختيار ثم اعتماد أنظمة سياسية واقتصادية وغير ذلك تكون ملائمة لسورية وظروفها الراهنة.
ثانياً: نتائج معالجة وتطبيق الأسس الثابتة والمنطلقات والمرتكزات العامة والتي إذا نحن اعتبرناها استراتيجيات بعيدة وتكتيكات عامة، فإننا نكون أمام الخطة العملياتية والميدانية. وبمعنى أدق الاقتحام ومباشرة التعامل مع الواقع والتحديات.
وهنا يجب أن نفكر بشكل نوعيٍّ مركّزٍ وبعمليات هندسية ببعدٍ رابعٍ ونقصد به الزمن ووجوب اختصاره، فتسطع وتفرض التعامل معها النقاط التالية:
أولاً: يجب الابتعاد التام والنهائي عن البؤر والمخاطر التالية:
1- استرضاء وإرضاء أطراف لاعبة خارجية ومراعاة مصالحها على حساب المصلحة الوطنية بل بشكل يتعارض معها.
2- المحسوبيات، ونقصد بها إرضاء أو حتى مراعاة ومسايرة الطائفية والإثنية أو المناطقية والعشائرية والجهوية.
3- (الوساطات والمعيّات والملحقيّات) وهي مصطلحات مقرفة ومقززة تجذرت في سورية خلال بيئة متعفنة وقد نتج عنها تطفّل عوالق وإشنيات ونباتات متسلقة تمتص الدماء والنُّسغ وتفرز سمومها وعاهاتها.
4- التزكية: وما أدراك ما التزكية! إنها تطوير أحمق وأخرق وأرعن لمركّب سامٍّ سابق ركّبه النظام المخلوع – بعد أن استرقه أو أُملي من أنظمة موبوءة مُتجذّمة – ومحتواه وتركيبته تتلخص بـمصطلح (الجهات الوصائية) وكان أبرزها فروع وأوكار حزب البعث وبالتعاون والتنسيق التام مع أجهزة المخابرات والقمع العديدة بكامل مراكز (أبحاثها ودراساتها ومتابعاتها وتحقيقاتها وخبرائها وعلمائها ومن أشهرهم المساعد جميل والمساعد أبو… وحاملي جوائز نوبل وأوسمة الاستحقاق مثل العميد فلان والعميد علّان) فهل مرَّ معنا مُقرفٌ ومقزّز أكثر من ذلك؟ فكيف لو أننا قلدناها تقليداً بليداً؟
ثانياً: يجب اعتناق وامتهان الوضوح والشفافية والدقّة والالتزام بها، ويجب كسب الثقة التامة بالدولة وحكومتها ومؤسساتها، ويجب اكتساب المصداقية ويتكامل مع ذلك ويعاضده الابتعاد النهائي عن التضليل والخطاب والنهج الديماغوجي والتّحاشي التامّ لامتهان أو الوقوع في مستنقع الأكاذيب ومقاومة متطلبات المواطنين والعيش والتعاطي معها بالإشاعات، ويجب عدم استرضاء الشعب وتخديره وتمنيه ودغدغة مشاعره وعواطفه بالوعود الكاذبة والتصورات الخرافية والأحلام الوردية، لأن ذلك سوف يصطدم بالعقل الجمعي بعفويته وحدسه ولاشعوره ، ناهيك عن متابعته وتحليله واستنتاجه مما يتسبب بانقلاب الطاولة.
سوف نكتفي بهذا التوصيف الذي يمكنه إلحاقه بمطوّلات ومدوّنات التشخيص ولذلك لابد ان نساهم بمقترحات الحلول والعلاج المستند تماما إلى واقع المعطيات التي نعتبرها عِللاً وأمراضاً فُرضت علينا:
أولاً: اعتماد أنسب القوانين والدساتير المتاحة والتوافقية والمناسبة والقابلة لتطبيقها في سورية الجديدة مع شرطٍ أساسي وهو وجوب تطبيقها بدقة مع مراعاة إصدار القوانين الجاذبة للاستثمار.
ثانياً: توفير الأمن والاستقرار وتزويد المعنيين والمهتمين بالمعلومات الدقيقة والإحصائيات والارقام الصحيحة.
ثالثاً: هناك مسألة مهمة وحسّاسة ولها وجود قوي في سورية وهي مسألة (لخصخصة) وهي وجود ممتلكات تعود للدولة ويمكن بيعها. وفي الواقع إن بيع القطاع العام بذاته وبعمومه ليس أمراً محرّماً أو خاطئاً، ولكن هذا الجانب يتطلب مزيداً من النظر والتعقّل والحساب ولكن وفق ميزان المصلحة العامة (المادية منها والمعنوية والسيادية) مع احتساب التبعيات والنتائج، فيمكن بيع بعض القطاعات، بل يجب ذلك، وفي نفس الوقت يمنع بل يحرَّم ويجرَّم بيع وخصخصة بعض آخر، وهذا يتطلب جهات ومؤسسات وطنية مهنية مؤهلة ويجب إقرار ذلك من مجلس شعب منتخَب.
رابعاً: وتماشياً مع الواقع السوري الراهن، ولخوض معركة البناء، يجب الاستعانة بخبرات خارجية تتمتع بالمهنيّة والخبرات الضرورية، وتتحلّى بالحيادية، وذلك للتعاطي مع واقعٍ مرير وتجاوز الطائفية والمحسوبية وإلى ما هنالك من أمراضٍ وعللٍ مزمنة، وهذا يشابه تماماً ويقابل التزوّد بالأسلحة المتطورة والمناسبة في المعركة، فحقل الألغام يحتاج إلى كاسحات والدفاع ضد هجمات عنيفة وثقيلة يتطلب دُشماً وسواتر وخنادق تمتص وتعيق وتمنع الاختراق، والأمثلة كثيرة.
خامساً: الاعتماد في كل خطوة أو إجراء حكومي على قانون إداري ذكي ومحبوك ومدروس ومدعوم باعتماد معايير ومقاييس وطنية وعقلانية تحقق المصلحة العامة الأكبر، وذلك لكي يصعب بل يستحيل تجاوز المنطق والقانون والعدل، والالتفاف حول هذه النواميس بمتطلبات المصالح الضيقة الدنيئة وغير الوطنية وغير العادلة.