سوريا 2026: شروط الثقة بين المكونات.. نحو عقد اجتماعي يصنع الدولة لا يعكسها

0

لا تُبنى الدول بالانتصارات العسكرية وحدها، ولا بالاتفاقيات الموقّعة تحت ضغط إقليمي. تُبنى حين تقرر مجتمعات متعددة الجراح والذاكرة أن الانتماء إلى كيان مشترك يستحق الثقة والتنازل. هذا هو الرهان الحقيقي في سوريا عام 2026: ليس فقط كيف تنتهي الحرب، بل كيف يبدأ المجتمع من جديد.

الهوية الجامعة: ما قبل كل شرط

قبل الحديث عن مؤسسات وضمانات، يبرز سؤال أعمق: هل توجد “نحن سورية” جامعة تتسع للكردي والعربي والمسيحي والدرزي والعلوي دون أن تُذيب أحداً؟

الهوية الوطنية الجامعة لا تعني محو الخصوصيات، بل بناء انتماء مشترك يقوم على المواطنة المتساوية لا على الغلبة. وهنا يواجه الدستور الدائم المرتقب اختباراً حقيقياً: هل سيكون وثيقة هوية تعكس التنوع السوري، أم مجرد وثيقة حوكمة تُعيد توزيع السلطة دون أن تبني معنى مشتركاً للانتماء؟

الاعتراف المتبادل: ما قبل الحوار

الشرط الأول للثقة ليس الجلوس إلى طاولة واحدة، بل الاعتراف بأن لكل مكوّن رواية مشروعة وجرحاً حقيقياً.

مؤتمر الحوار الوطني في فبراير 2025 كان خطوة مهمة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن عملية حوار مستمرة. فالحوار الحقيقي لا يُعقد مرة واحدة، ولا يُدار من العاصمة فقط، بل يحتاج إلى آليات تمتد إلى المناطق المهمّشة وتُشرك النساء والشباب ومنظمات المجتمع المدني.

فالثقة لا تُفرض بقرار سياسي، بل تنمو بالتراكم.

ويمكن تلخيص جوهر التحدي الذي تواجهه سوريا اليوم في فكرة بسيطة:

الثقة لا تُصنع في القمة، بل تتراكم من القاعدة.

وفي جوهر العقد الاجتماعي الجديد يكمن مبدأ أساسي:

الثقة السياسية لا تُبنى بقرارات النخب وحدها، بل تتشكل تدريجياً عبر المؤسسات والممارسات التي يختبرها المواطنون في حياتهم اليومية.

فالعقد الاجتماعي ليس مجرد اتفاق سياسي، بل إطار يعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المواطنة المتساوية وسيادة القانون وتوزيع متوازن للسلطة والموارد. وتشير تجارب الدول الخارجة من النزاعات إلى أن نجاح هذا المسار يعتمد على مجموعة شروط مترابطة.

توزيع السلطة: الضمانة الهيكلية

الاعتراف اللفظي لا يكفي إن لم يترافق مع هيكل سياسي يجعل إقصاء أي مكوّن مكلفاً ومستحيلاً.

اتفاق يناير 2026 لدمج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة يمثل اختباراً حقيقياً لنوايا المرحلة الجديدة: هل الدولة مستعدة لأن تكون دولة الجميع فعلاً، أم أنها تسعى فقط إلى توحيد السلاح دون توحيد الشراكة السياسية؟

التجارب المقارنة تشير إلى أن دمج الفصائل المسلحة لا ينجح عندما يكون منزوع الضمانات السياسية والمؤسسية.

العدالة الانتقالية: شرط الثقة لا العقاب

لا يمكن بناء ثقة دون معالجة صادقة للماضي.

الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أُنشئت في مايو 2025، لكن التقرير الأممي الصادر في مارس 2026 أشار بوضوح إلى إشكالية الانتقائية في المساءلة. والانتقائية ترسل رسالة خطيرة لبعض المكونات مفادها أن دماءها أقل قيمة من غيرها.

العدالة الجامعة ليست ترفاً أخلاقياً، بل الأساس الذي تقوم عليه أي ثقة مستقبلية.

التمثيل الحقيقي: من المهجر إلى الهامش

ستة ملايين سوري في الخارج يشكلون مكوّناً بشرياً واقتصادياً ومعرفياً لا يمكن تجاهله. غيابهم عن أي صيغة تشاركية يعني أن العقد الاجتماعي يُصاغ دون جزء مهم من أصحابه.

كذلك فإن المناطق التي عانت التهميش لعقود لن تمنح ثقتها لدولة تعيد إنتاج هذا التهميش بأشكال جديدة.

المؤسسات الجامعة: حيث تتحول الثقة إلى دولة

الثقة بين المكونات لا تبقى معلقة في الهواء؛ بل تحتاج إلى مؤسسات تحضنها. جيش وطني يعكس تنوع المجتمع، وقضاء مستقل يحكم بالقانون لا بالانتماء، وإدارة محلية تمتلك صلاحيات حقيقية لا شكلية.

كما أن نجاح هذا العقد الاجتماعي سيظل مرتبطاً ببيئة إقليمية تسمح بتثبيت التفاهمات الداخلية بدلاً من تقويضها.

فبناء هذه المؤسسات هو المسار الوحيد لتحويل التفاهمات الهشة إلى استقرار دائم. الرهان ليس على حسن النوايا، بل على هندسة سياسية تجعل الوحدة مصلحة مشتركة لا خياراً مؤقتاً.

وفي غياب هذه الهندسة، قد تجد سوريا نفسها أمام خطر إعادة إنتاج الصراع بصيغ جديدة، حتى وإن توقفت الحرب بشكلها العسكري.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني