في كل مرة يُطرح فيها سؤال صعود القوى الراديكالية أو الشعبوية، يعود النقاش سريعاً إلى الديمقراطية بوصفها خط الدفاع الأخير. لكن التاريخ حين يُقرأ بلا حماسٍ أخلاقي ولا ذعرٍ سياسي يكشف حقيقة أقل راحة، فقد تتحول الديمقراطية، في لحظات بعينها، إلى الممر الذي تعبر منه قوى معادية لجوهرها نحو الحكم. هذا لا يبرّر الاستبداد، بل يذكّر بأن الديمقراطية ليست شعاراً قائماً بذاته، بل منظومة تحتاج مؤسسات تحميها من الاستحواذ.
فالإشكال ليس في الديمقراطية كقيمة، بل في الديمقراطية الهشّة حين تُختزل في صندوق اقتراع، أو حين تُقدَّم اللامركزية كحلّ إداري منفصل عن بناء الدولة. من دون مؤسسات تضبط السلطة، وتمنح الخاسرين ضمانات، وتحوّل الخلاف السياسي إلى منافسة قابلة للإدارة، يصبح كل استحقاق انتخابي مرشحاً لأن يتحول إلى صراع وجودي ينتج عنه رابحٌ يأخذ كل شيء وخاسرٌ يخسر مستقبلَه، لا مجرد مقعد.
التجربة الأوروبية في القرن العشرين تقدّم مثالاً كلاسيكياً على هذه المفارقة. جمهورية فايمار الألمانية كانت ديمقراطية دستورية على الورق، لكنها ضعيفة اجتماعياً ومؤسسياً. الحزب النازي لم يصل عبر انقلاب عسكري، بل عبر المسار الانتخابي، مستثمراً الغضب الشعبي الناتج عن الأزمة الاقتصادية والإذلال القومي. تعيين هتلر مستشاراً عام 1933 تم داخل الإطار الدستوري نفسه، ثم بدأت عملية تفكيك الديمقراطية من الداخل وباسم القانون ذاته. الخطر لم يكن الاقتراع بحد ذاته، بل قابلية النظام للاستحواذ حين تغيب الضوابط التي تمنع تحويل الشرعية الانتخابية إلى رخصة لإلغاء التعددية.
وهذا النمط لم يبق في الماضي. في المجر صعد فيكتور أوربان عبر انتخابات تنافسية، ثم أعاد هندسة الدولة تدريجياً عبر الدستور والقضاء والإعلام وقواعد المنافسة بما يخدم إدامة الهيمنة. النتيجة لم تكن ديكتاتورية تقليدية صريحة، بل نظام يحتفظ بالشكل ويفرغ المضمون عبر انتخابات تُجرى، لكن موازين اللعبة تُعدَّل بحيث يصبح التداول شبه مستحيل. مسارات قريبة ظهرت في بولندا، وتجلّت أشكال الشعبوية حتى داخل ديمقراطيات أعرق. الفارق أن المؤسسات الأقوى تستطيع الإبطاء والمقاومة، لكنها لا تلغي التهديد من جذوره إذا تُركت قواعد اللعبة رخوة.
وحين ننقل العدسة إلى العالم العربي تتبدّل الأسماء والسياقات، لكن المنطق العميق يبقى نفسه متمثلاً بهشاشة الدولة، ضعف المؤسسات، وتحويل الانتخابات أو اللامركزية إلى أدوات صراع بدل أن تكون قواعد حكم. وغالباً ما انكسر المسار قبل اكتمال التجربة، أو انحرف سريعاً نحو السلطوية باسم الاستقرار أو الأمن، لأن الخسارة السياسية لم تُصمَّم بوصفها احتمالاً طبيعياً، بل بوصفها كارثة وجودية.
في الجزائر مطلع التسعينيات، وصلت جبهة الإنقاذ الإسلامية إلى حافة السلطة عبر صناديق الاقتراع في أول تجربة تعددية حقيقية بعد عقود من حكم الحزب الواحد. الصعود لم يكن بالسلاح بل بالأصوات. غير أن النظام الانتقالي كان هشاً، والمؤسسات غير مهيّأة لفكرة تداول فعلي، فيما رأت النخب العسكرية في النتائج تهديداً وجودياً. أُجهض المسار، ودخلت البلاد حرباً أهلية دامية. هنا لا يكفي تفسير الأزمة بالتطرف وحده؛ فالمشكلة الأعمق كانت غياب قواعد تجعل الخسارة السياسية ممكنة دون انهيار الدولة أو انفجار المجتمع.
وفي فلسطين، جاءت انتخابات 2006 بحركة حماس إلى السلطة عبر اقتراع نزيه نسبياً، لكن الديمقراطية كانت بلا سيادة وبلا ضمانات وبلا توافق وطني على قواعد اللعبة، فتحوّل الفوز الانتخابي إلى انقسام سلطوي وجغرافي بدل أن يكون تفويضاً قابلاً للتحول إلى حكم. وفي مصر بعد 2011، جرت الانتخابات في سياق فراغ سياسي وخوف متبادل واستقطاب حاد. فُهمت السلطة كغنيمة لا كوظيفة عامة، وانتهت التجربة سريعاً بعودة السلطوية، مع ترسّخ قناعة لدى جزء من المجتمع بأن الديمقراطية تُقدَّم له كمرادف للفوضى حين تغيب الضمانات.
أما تونس، فظهرت فيها حدود الديمقراطية الإجرائية حين لا تساندها دولة خدمات واقتصاد قادر على امتصاص الصدمات. التآكل البطيء للثقة فتح الباب لتركيز السلطة باسم تصحيح المسار. وفي العراق بعد 2003، تحولت الانتخابات والفيدرالية غير المكتملة إلى بنية لإدارة الانقسام أكثر من تجاوزه مستندة بذلك إلى دولة ضعيفة، ولاءات هوياتية وزبائنية، وشرعيات محلية تُستخدم لتكريس الاستقطاب بدل بناء عقد وطني جامع.
من هنا يبرز سؤال يبدو تقنياً لكنه سياسي بامتياز: هل تشكّل الفيدرالية أو اللامركزية حلاً؟ وهل يخفف توزيع السلطة من منطق الصراع الصفري؟
الجواب الأقرب للواقع أن الفيدرالية ليست وصفة سحرية، بل أداة حيادية، قد تكون صمام أمان، وقد تصبح مسرّعاً للأزمة. في الدول ذات المركزية الخانقة حيث تتحول العاصمة إلى الجائزة الوحيدة والرابح يأخذ كل شيء، قد يخفف توزيع السلطة من رهانات السيطرة على المركز، ويقلل من خطاب الإقصاء الذي تتغذى عليه القوى الراديكالية. لكن الوجه الآخر أكثر قتامة، إذا طُبِّقت اللامركزية في غياب دولة قانون، وقضاء مستقل، وحياد إداري وأمني، فقد تتحول إلى مستودع للهويات الصلبة وإلى شرعنة لتوازنات قوة محلية. عندها لا يختفي التطرف، بل يغيّر مستواه، من الدولة إلى الإقليم، مع شرعية محلية أقوى وأصعب على التفكيك.
نجاح الفيدرالية الألمانية بعد 1949 لم يكن لأنها تقسيم إداري جميل، بل لأنها جاءت ضمن حزمة مؤسسية متكاملة، من دستور صارم، محكمة دستورية قوية، وضوابط واضحة ضد القوى المعادية للديمقراطية. المعنى هنا بسيط لكنه حاسم، و هو أن الفيدرالية أو اللامركزية تعمل حين تكون القواعد أقوى من اللاعبين، وحين تستطيع الدولة بمؤسساتها فرض حدّ أدنى من المنافسة العادلة وحماية الحقوق.
بهذا المعنى، تصبح سوريا اليوم حالة مفصلية لا يمكن مقاربتها بسؤال مبسّط من نوع: ديمقراطية أم فيدرالية؟
سوريا خرجت من حرب طويلة لم تُضعف النظام السياسي فحسب، بل فتّتت بنية الدولة، اقتصاد حرب، تهجير واسع، سلاح منتشر، تعدد سلطات فعلية، وتشابك خارجي ثقيل. في مثل هذا السياق، المشكلة ليست الانتخابات بذاتها، بل توقيتها وشروطها في غياب الأمن المحايد والقانون، بحيث تغدو القوى الأكثر تنظيماً وتسليحاً لا الأكثر تمثيلاً هي الأقدر على الفوز. وهنا تتحول الأسئلة التقنية إلى أسئلة جوهرية:
من هو الناخب في بلد واسع النزوح؟ كيف تُبنى سجلات انتخابية موثوقة؟ كيف تُرسم الدوائر في مجتمع ممزق؟ من يضمن حياد الإدارة والأمن؟ وما معنى المنافسة السياسية في ظل غياب احتكار شرعي للعنف؟
إذا لم تُعالج هذه المعضلات، تتحول الانتخابات إلى جولة أخرى من الصراع، جولة مدنية في الشكل، أمنية في المضمون. واللامركزية الواسعة في سوريا هي أيضاً سيف ذو حدّين. من جهة، يمكن أن تخفف مركزية قاتلة راكمت الاستبداد لعقود، وتمنح المجتمعات المحلية مساحة إدارة وخدمات ومشاركة، وتخفض رهانات السيطرة على العاصمة. لكن من جهة أخرى، في غياب دولة قانون، وجيش وطني موحّد، وقضاء مستقل، وتمويل عام شفاف، قد تصبح اللامركزية تقنيناً للتجزئة الواقعية عبر أقاليم تُحكم بمنطق الأمر الواقع، وعبر خطابات أمنية أو هوياتية، اقتصاد محلي مرتبط بشبكات الحرب والجباية، وديمقراطية بلدية تتحرك داخل حدود القوة لا داخل حدود الحق.
الخطر في سوريا ليس فقط صعود قوى إقصائية، بل صعود سلطويات متنافسة مركزية أو محلية يبني كل منها شرعيته على الخوف والهوية ووعود الأمن. عندها لا يعود شكل الدولة (مركزية أم فيدرالية) هو السؤال الحاسم، لأن المشكلة الأعمق هي غياب الدولة كمؤسسة محايدة، الدولة التي تجعل الخسارة السياسية ممكنة دون رعب، وتمنع تحويل القانون والانتخابات والإدارة إلى أدوات تصفية.
الخلاصة أن الديمقراطية لا تُختزل في صندوق اقتراع، كما أن الفيدرالية ليست مجرد خريطة إدارية. كلاهما يظل فارغ المضمون ما لم يُبنَ داخل إطار مؤسسي يجعل القواعد أقوى من اللاعبين، ويحوّل السلطة إلى وظيفة عامة لا غنيمة، ويجعل الخصومة السياسية قابلة للتعايش لا قابلة للإبادة.
حيث تقول التجارب الأوروبية والعربية ومعها سوريا اليوم أن الاستبداد ليس حلاً للفوضى، بل أحد أهم أسباب تفكيك المؤسسات التي تجعل الانتقال ممكناً. كما أن أخطر ما يهدد الديمقراطية قد يأتي من داخلها وباسمها. لذلك فإن أي انتقال سياسي لا يواجه هذه الحقائق عملياً، لا خطابياً، سينتهي غالباً إلى إعادة إنتاج الاستبداد، مهما تبدّلت الدساتير والشعارات والأشخاص، ومهما بدا الحل أنيقاً على الورق.