سوريا بين استعادة الجغرافيا واختبار الدولة: السياسة حين تصطدم بالخبز والذاكرة

0

لم يعد السؤال المركزي في سوريا اليوم متعلقاً بمن يسيطر على الأرض، بل بمن يستطيع إدارة حياة الناس فوقها. فاستعادة الجغرافيا، مهما بدت كاملة على الخرائط، لم تتحول بعد إلى استعادة فعلية للدولة بوصفها عقداً اجتماعياً ومؤسساتٍ قادرة على حماية الكرامة، وتنظيم الاختلاف، وتوزيع الأعباء بعدالة.

في الشارع السوري، حيث يقف المواطن في طوابير الخبز، أو يترقّب دخلاً شهرياً بالكاد يلامس الحدّ الأدنى من متطلبات العيش، أو يحاول إنقاذ ورشة صغيرة من الإغلاق تحت ضغط المصاريف التشغيلية والجبايات، يتكشف جوهر المرحلة الراهنة. انتهت المعارك الكبرى إلى حدّ بعيد، لكن أسباب الانهيار لم تُمسّ بعد. التحدي الحقيقي لم يعد أمنياً بالمعنى التقليدي، بل سياسياً واقتصادياً ومؤسساتياً: كيف ننتقل من إدارة الأزمة بعقلية أمنية إلى إدارة دولة تتعامل مع مواطنيها بوصفهم شركاء لا عبئاً؟

الاقتصاد هنا ليس ملفاً تقنياً، بل قنبلة اجتماعية موقوتة. فتآكل الطبقة الوسطى بفعل السياسات الاقتصادية وطول أمد الصراع، واتساع رقعة الفقر، وانسداد أفق العمل أمام الشباب، يُشكّل اليوم الخطر الأكبر على أي استقرار سياسي. إعادة الإعمار، حين تُختزل في مشاريع هندسية أو صفقات مغلقة، تعيد إنتاج اقتصاد الريع والزبائنية، ولا تعيد بناء المجتمع. ما يحتاجه السوريون هو اقتصاد يعيد دمجهم في الإنتاج، لا نظاماً يعيد تدوير المعونات والامتيازات.

لكن الخبز وحده لا يصنع دولة. فالذاكرة السورية مثقلة بأسئلة لم تجد إجابة: عن القتلى، والمعتقلين، والمفقودين، والبيوت المصادرة. تجاهل هذه الملفات باسم «الاستقرار» لا يصنع مصالحة، بل يؤسس لصراع مؤجل. وفي المقابل، فتحها بلا إطار عقلاني قد يعيد تفجير المجتمع. التحدي يكمن في إدارة الماضي دون أن يحكم المستقبل، عبر عدالة تُنصف الضحايا وتعيد بناء الثقة، دون أن تتحول إلى أداة انتقام أو تصفية سياسية.

في السياسة، تبقى الحريات العامة إحدى أكثر القضايا حساسية. السوري الذي خبر القمع والفوضى معاً لا يطلب حرية بلا سقف، ولا دولة بلا صوت. ما يريده هو مساحة قانونية آمنة: أن ينتقد دون خوف، وأن ينظم نفسه دون شيطنة، وأن يختلف دون أن يُقصى. هنا، لا بد من الانتقال من منطق المنع الشامل إلى تنظيم قانوني تدريجي يحمي السلم الأهلي دون خنق المجال العام.

أما الإعلام، فهو مرآة هذا الاختبار. إعلام يكتفي بترديد «الإنجازات» يفقد الناس ثقتهم، وإعلام ممول من الخارج يعمّق الاستقطاب. ما تحتاجه سوريا هو إعلام وطني يمارس الرقابة قبل الترويج، ويكشف الفساد الصغير قبل الكبير، ويعيد السياسة إلى لغة الناس لا إلى لغة البيانات الخشبية.

وتقف مؤسسات الدولة، من البرلمان إلى الحكومة والإدارات العامة، أمام امتحان لا يُقاس بعدد القوانين، بل بمدى شعور المواطن أن هذه المؤسسات تعمل لأجله. المرحلة الأولى من أي تحول لا تبدأ بالدساتير الكبرى، بل بإصلاح بسيط وعميق: خدمات تعمل، وإدارة أقل تعقيداً، وقضاء يُنظر إليه كملاذ لا كأداة.

وفي المساحة التي خلّفها ضعف الدولة، تمدّد المجتمع المدني بأدوار متباينة؛ أحياناً كاستجابة ضرورية لحاجات الناس، وأحياناً كبديل هشّ عن مؤسسات غائبة. غير أن الرهان على المجتمع المدني لا يمكن أن يكون بديلاً عن إعادة بناء الدولة، ولا ساحة صراع معها. دوره الحقيقي يكمن في كونه مساحة وسيطة: تعبّر عن المجتمع، وتراقب الأداء العام، وتساهم في ردم فجوة الثقة، دون أن تتحول إلى سلطة موازية أو أداة ارتهان سياسي أو تمويلي. فمجتمع مدني منفصل عن الناس لا يعوّض غياب الدولة، بل يفاقم هشاشتها.

في النهاية، سوريا لا تحتاج اليوم إلى شعارات عن «مرحلة جديدة»، بل إلى سياسة ترى الواقع كما هو: مجتمع منهك، واقتصاد هش، ودولة مجروحة. النجاح لن يكون في إعلان التحول، بل في تحسين يوم الناس خطوة خطوة، وبناء ثقة بطيئة لكنها حقيقية. فالدولة التي تفشل في إدارة الخبز، والذاكرة، والكرامة معاً، لن تنقذها أي معادلة أمنية مهما بدت محكمة.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني