
سوريا بوابة الأمن في الشرق الأوسط
تقاطعت مصالح المشروعين الصهيوني اليهودي والفارسي الشيعي في منطقتنا العربية، وكان الهدف تدمير كل مقومات القوة والنهوض فيها، وكانت سوريا – لضرورات الجغرافيا وقهرها – هي الساحة التي ظهر فيها ذلك التخادم أكثر من غيرها، وهو أمر لم يكن يغيب عن إدراك حتى المواطن العادي، الذي ذهب بيقينه إلى حدّ الاعتقاد بوجود تحالف بين المشروعين الاستعماريين ضدّ عرب المنطقة السنّة، واللذين يعتبرهما كلا المشروعين العدو الوجودي لهما لأسباب كثيرة.
لعب نظام الأسد في سوريا عبر تاريخه – كنظام أقلوي – دوره المرسوم له كرأس حربة في تشكيل تحالف الأقليات في المنطقة، وكان مدعوماً من الصهاينة والفرس، وأدّى دوره على أكمل وجه، ولم يسقط إلا بعد انتهاء مرحلة التخادم الإسرائيلي – الإيراني. ويرى بعضهم أنّ صراعهما أدّى إلى تقوية خصومه المحليين عليه، وفي لحظة تاريخية لا تتكرّر إلا نادراً تَمّ الإطاحة به.
كانت علاقة نظام الأسد ممتازة مع الإسرائيليين طيلة العقود الستة التي حكم فيها سوريا ولبنان، وحقق أهم أهداف لإسرائيل وهي:
1- تدمير كل مقومات القوة في المجتمع والدولة، وإخراج سوريا عملياً من معادلة الصراع الحضاري مع إسرائيل عبر حكم مافياوي طائفي.
2- إعاقة تشكيل أي مقاومة فلسطينية فعّالة أو أي جهد عربي للحرب مع الكيان أو أي شكل من أشكال مناصرة القضية الفلسطينية.
3- تأمين جبهة الشمال لإسرائيل وعدم المطالبة حتى بهضبة الجولان، وكان نظام الأسد أميناً في توفير ذلك الهدوء.
أما علاقة نظام الأسد فقد كانت ممتازة مع الإيرانيين، سواء مع شاه إيران – الذي زاره حافظ الأسد في طهران (ومعروف عن الشاه عداوته للعرب وهيامه باليهود) – أو بعد وصول نظام ولاية الفقيه، حيث أخذت العلاقة أبعاداً إستراتيجية، إذ بات تحالف الأقليات ممكناً وقادراً على السيطرة على المنطقة كلها. واستمر تحالف الأسد الأب طيلة حياته مع الإيرانيين، وارتمى الأسد الابن في أحضانهم وبقي تحت عباءتهم إلى أن سقط، وكان آخر مسؤول أجنبي يزور دمشق هو وزير الخارجية الإيراني.
كان كلا المشروعين الصهيوني والفارسي يستهدفان تقاسم السيطرة على المنطقة، كما كان يعتقد الراعي الأمريكي لكليهما، حيث إنّ خروج المشروع الفارسي إلى خارج حدوده عملياً لم يكن ممكناً قبل ضربات أيلول 2001. وقد مهّد الأمريكيون لهذا التمدد والتوحش بتدمير الحائط العراقي الذي كان يحجز الطوفان الشيعي خلفه.
كان مسموحاً في سوريا في العقد الأخير إدارة التنافس الإسرائيلي – الإيراني بصراع على لهب خفيف وفق نظرية “جزّ العشب”، وكانت رعاية هذا التنافس وإدارته تتقاسمها روسيا والولايات المتحدة معاً، لأنّ لهما مصلحة في نجاح التخادم بين إيران وإسرائيل والالتزام بالتوافقات السرية غير المكتوبة لتوزيع النفوذ والأدوار.
فشل مشروع التخادم كلّه لأنّ الطموح الإيراني لم يُدركه الأمريكيون والإسرائيليون، وكان يرغب في الاستفراد بالهيمنة على المنطقة ولم يقبل بما مُنح له، فحدث الصدام – الذي لم يُحسم بعد – بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها ومن خلفها المحور الشرقي بشكل غير مباشر من جهة أخرى.
في مرحلة الربيع العربي ساءت العلاقة كثيراً بين تركيا السنية – الدولة الصاعدة بقوة – وبين بقية العرب في مصر والخليج العربي بسبب المواقف المتناقضة لمسارات ومآلات ذلك الربيع. وتصاعد الخلاف أكثر بعد الانقلاب الناجح في مصر والفاشل في تركيا وما رافقه من حصار قطر.
تمكنت تركيا من إدارة تدخّلها في سوريا مع روسيا وإيران، وإن كان التنافس هو جوهر مسار أستانة السوري. بينما بلغ التغوّل الإيراني مداه في الخليج وعليه، فقد كانت جماعة الحوثي تُشكّل الذراع الأبرز للخطر الإيراني خاصة بعد سيطرتها على صنعاء، ولم تُحقق “عاصفة الحزم” التي انطلقت في آذار 2015 أهدافها في القضاء على التمرد الحوثي، وباتت الرياض ومدن المملكة الأخرى تتعرض دورياً للصواريخ والمسيرات الحوثية، وكان تدمير منشآت “أرامكو” في أيلول 2019 ذروة التنمّر الإيراني على المملكة والخليج عموماً.
وإزاء هذا الخطر الإيراني الداهم وتلكؤ الولايات المتحدة في حماية أصدقائها في الخليج، لم تشفع حتى العلاقات الممتازة للسعودية مع الصين وروسيا في تأمين غطاء يحول دون ضربها.
كانت الخطط الأمريكية – الإسرائيلية على ما يبدو تسعى للاستفادة من التهديد الإيراني بتطبيع العلاقة مع إسرائيل. وكان نقل إسرائيل إلى القيادة المركزية العسكرية الأمريكية (سنتكوم) واختراقات “السلام الإبراهيمي” الجزئية مقدمة لبلورة تعاون أمني يتطور إلى ما عُرف حينها بـ “الناتو العربي” أو “الشرق أوسطي”، حيث تلعب فيه إسرائيل الدور الأكبر. وبذلك يتم إنهاء القضية الفلسطينية والاستفادة من بعبع محور ولاية الفقيه، الذي بدأ يظهر فشل التخادم معه مع اغتيال قاسم سليماني وظهور إخفاق الأمريكيين في احتواء المشروع الفارسي وتسييره لمصالحهم.
يرى بعضهم أنّ هجوم 7 أكتوبر كان لإجهاض مشروع التطبيع السعودي – الإسرائيلي، الذي سينجم عنه لاحقاً “الناتو الشرق أوسطي”. كما أنّ العرب فشلوا فشلاً ذريعاً في استمالة الأسد المخلوع لجانبهم أو حتى التخفيف من النفوذ الإيراني في سوريا. واستجابة لضرورة المتغيرات الدولية والإقليمية بدأت عملية كسر الجليد بين تركيا والخليج تنجح، وبدأ في الوقت نفسه ذوبان ذلك الجليد بين أنقرة والقاهرة.
في سوريا، وبعد تضاؤل القوة الروسية بسبب انشغالها بحربها مع أوكرانيا، ومع استمرار الحرب الإيرانية – الإسرائيلية التي بدأت تأخذ أبعادها المباشرة بينهما دون اكتفاء إيران بأذرعها، كان الوضع مثالياً لقوى الثورة السورية – وبدعم تركي – للإجهاز على نظام الأسد المتداعي وقلب الطاولة على الجميع، وأولهم إسرائيل وإيران.
كان انتصار الثورة السورية زلزالاً جيوسياسياً في المنطقة، وبات الهلال الشيعي في سلّات القمامة التاريخية، وبدأت ملامح محور سني عمودي من تركيا إلى الخليج العربي عبر سوريا أمراً محتملاً بفعل تقاطع المصالح وتطابق الرؤى والغايات إزاء الخطرين المتصارعين الآن (إيران وإسرائيل)، واللذين سيخرج المنتصر فيهما وحشاً يجب تجنّب شروره بردعه عن أيّ ممارسات عدوانية.
لا تعارض أبداً بين المشاريع التركية والعربية في المنطقة، ولا مناص من أن تكون سوريا قاعدة أو تجسيداً لهذا التعاون، حيث ستلتقي “النمور” الصاعدة في الخليج وتركيا على الأرض السورية لتشكّل تكاملاً بين دول المنطقة المتشابهة، أو فضاءً إستراتيجياً تمتزج فيه القوى الناعمة بالخشنة، لتكون قوة حضارية حديثة تملك كل المقومات لتأمين الازدهار والاستقرار في المنطقة.
كما كانت سوريا درّة التاج والرابط بين حلقات المحور الفارسي، ستكون كذلك رابطاً بين حلقات المحور السني، وستؤمّن سوريا الفضاء الجغرافي لكل أشكال التعاون الاقتصادي، بشكل يُجدّد أهداف الخط الحديدي العثماني الواصل إلى الحجاز منذ قرن مضى. والآن سيكون تصدير الطاقة الخليجية عبر سوريا، وانسيابية حركة البضائع وخطوط الكهرباء والاتصالات والإنترنت متاحاً، ويتم ربط الخليج العربي بالبحر الأبيض المتوسط كنافذة على العالم، وتجنيب التجارة خطورة المرور في مضيقي هرمز وباب المندب اللذين يقعان تحت الهيمنة الإيرانية إلى أجل غير مسمى.
إنّ إضعاف إيران لدرجة أنها لم تعد قادرة على تهديد جدّي لأمن الدول الخليجية بات أمراً واقعاً، وبالتالي انتفت الحاجة إلى “ناتو شرق أوسطي” تكون فيه إسرائيل القوة الأكبر. ليس ذلك فحسب، بل إنّ العقيدة العسكرية والإستراتيجية الإسرائيلية كلها قد تغيّرت لتصبح خطراً على الخليج وسوريا وتركيا، حيث أظهرت عدوانية مفرطة. فبعد “طوفان غزة” أصيبت عقيدة الأمن الإسرائيلية بتصدّعات عميقة، لدرجة أنّ طرح الأسئلة عن فاعلية الترسانة العسكرية وقدرتها على الردع بات يراود كل سكانها، وباتت الهجرة العكسية أمراً وارداً، وقد فعلها الكثيرون. فأصبح التغطية على الضعف والهزيمة بارتكاب الأعمال الوحشية لإظهار قوة زائفة تُعيد بعضاً من الثقة لسكان الكيان، وما نشهده في غزة منذ عامين هو جرائم قتل همجية لا هدف عسكري لها، بحيث إنّ الانتصار على فصيل عسكري محاصر بات أمراً في غاية الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً.
وظهر الجنون الإسرائيلي بقصف 7 دول بعد أحداث أكتوبر، منها 4 عواصم عربية، كانت آخرها الدوحة – الصديقة للولايات المتحدة – التي تُيسّر أمر الوساطة برغبة أمريكية إسرائيلية، ويمكث فيها الوفد الإسرائيلي المفاوض لأسابيع، مع أنّ الدوحة تستضيف قاعدة من أكبر القواعد الأمريكية في العالم.
لقد بات الآن أمراً اعتيادياً ضرب أي هدف تراه إسرائيل معادياً لها في الزمان والمكان المناسبين لها، وممكن لهذا الهدف أن يتواجد في تركيا أو مصر أو السعودية. مع أنه لم يعد خافياً مدى عدم المصداقية بكل الوعود والضمانات الأمريكية، بل إنّ أغلبية المراقبين ترى أنّ الأهداف الرئيسية تختارها واشنطن أو توافق عليها وتُنفّذ إسرائيل قصفها.
لن يُفيد دول المنطقة الاعتماد على مظلات وتفاهمات مع الروس والصينيين مثلاً، فهذا ليس سياسة مضمونة النتائج، ولا يمكن أن يكون إستراتيجياً. بل من الضروري الانفتاح والتعاون مع الشرق بحدود مدروسة، ولا بديل عن التوجّه إلى مزيد من التنسيق الأمني والعسكري والسياسي بين دول المنطقة، يتبلور في مزيد من تفعيل الشراكات الإستراتيجية وصولاً إلى ولادة محور سني شاقولي يمتد من البحر الأسود شمالاً إلى بحر العرب جنوباً.