سوريا الجديدة… دولة وطنية طبيعية لا مكان فيها للأيديولوجيا

0

لم تعرف سوريا في تاريخها السياسي إلا الأيديولوجيا، حتى قبل انهيار الدولة العثمانية كانت سوريا موئل فكرة القومية العربية والعروبة الثقافية والحضارية، وتم في ساحات دمشق إعدام بعض روّاد القومية العربية من قبل حكومة الاتحاد والترقي العثمانية. وكان للغزو الاستيطاني اليهودي في فلسطين دور كبير في تبلور تيارات مقاومة له، منها ما كان على أساس ديني (ولا زالت)، ومنها ما كان على أساس قومي عروبي (ولا زالت أيضاً).

نشأت في سوريا (قبل الجلاء الفرنسي وبعده) كل الحركات العقائدية، ومنها ما هو محلي ومنها ما هو مستورد كالأحزاب الشيوعية التي انتشرت في العالم بعد انتصار الثورة البلشفية، وتأسس الحزب الشيوعي السوري عام 1924. وتأطرت الأيديولوجيا في أحزاب، فنشأ الحزب القومي السوري الاجتماعي والإخوان المسلمون وأحزاب القومية العربية (بعثية وناصرية).

كانت الأيديولوجيا تُسيطر حتى على رجالات الاستقلال والمصنفين على أنهم من البرجوازية الوطنية الليبرالية، حيث كانوا في معظمهم ذوي توجه عروبي، حتى وصل بهم الأمر إلى التوجه إلى الرئيس المصري وطلب ذوبان سوريا في الدولة المصرية تحت اسم “الجمهورية العربية المتحدة” عام 1958. وقد نسي الجميع أو لم يدركوا أهمية أن تكون سوريا وطناً نهائياً بحدودها الدولية، والعمل على تكريس هوية وطنية سورية، بل كان العقل الجمعي السوري على كل المستويات يعتبر سايكس – بيكو مؤامرة على الأمة، ولا بد من تحطيمها، وعلى الأقل شتمها صباح مساء.

بعد وصول البعث ثم الأسد الأب إلى السلطة، حيث لم يكن من أمل لوصوله إلا باستغلال العواطف والمشاعر الشعبية الجياشة كأحد أبناء الأقليات (التي صنّعت مظلوميتها الانتقامية الخاصة ضد السنة)، كان الطريق الوحيد الممكن إلى الحكم هو التوشّح برداء القومية العربية، وهو ما حصل فعلاً.

فكّك نظام الأسد كل الهويات الفرعية وحاربها، ولم يبنِ هوية وطنية سورية بدلاً عنها، بل كان سعيه لبناء هوية عربية متخيّلة لأمة كاملة من المحيط إلى الخليج، فيها من التناقضات والصراعات والمعوقات المنطقية الكثير، دون امتلاك البرنامج والأدوات اللازمة. بل حتى على مستوى حزب البعث الذي وصل إلى السلطة في العراق وسوريا ويمتلكان نظرياً نفس المنهج والرؤية والأهداف، كان العداء تاريخياً بل أزلياً، وشهدنا سقوط النظامين والحزبين ولم يتوحدا.

بعد انطلاق الثورة السورية، كانت الصرخات الأولى في أشهرها الأولى وطنية بامتياز، لم يكن للأيديولوجيا أي نصيب فيها، وتجلت بشعارات: “الشعب يريد إسقاط النظام”، وكان يوجد إدراك في العقل الجمعي لمعنى كلمة “الشعب”، وشعار: “الشعب السوري واحد” و”سوريا بدها حرية”. nude leaked onlyfans misha121

كان الجيل الجديد الذي طالب بالتغيير مختلفاً عن آبائه وأجداده، حيث لم يكن مؤدلجاً (لأسباب عديدة ليس تفصيلها ضرورياً الآن). وكان الشباب المنتفضون يملكون قدراً كافياً من الجرأة لتحمل عواقب الانقضاض على نظام مستبد دموي، ولم يقبلوا بما قبل به آباؤهم من ذلّ الخضوع لاستبداد الأسد.

بعد عسكرة الثورة كردّ فعل على العنف المفرط الذي واجهه المتظاهرون السلميون، ظهرت الأيديولوجيا في الفصائل العسكرية لعدة أسباب منها:

  1. كشف النظام عن حقيقته الطائفية كنظام علوي واستعماله كل الأدوات والشعارات وتوظيفها للقضاء على خصومه.
  2. الانخراط الشيعي (الجهادي) إلى جانب النظام، لا بد له من توليد ردّ فعل مساوٍ له في القوة ومعاكس له في الاتجاه.
  3. الحركات الأيديولوجية لها خبرة عملياتية وتنظيم محكم، ومنها من سبق له العمل في أفغانستان أو العراق أو البوسنة، ويمتلك كل المهارات في التنظيم والتحشيد العقائدي والتمويل والخبرات الأمنية والعسكرية.
  4. الداعم العربي والريح الدولية وجّها الدعم الأكبر للفصائل المؤدلجة.
  5. الأيديولوجيا (الدينية خاصة) تعطي القوة على الصبر والتحمل والمجاهدة والتضحية، وذلك كجهاد ديني نهايته إما النصر أو الشهادة في سبيل الله، بينما لا تتوفر تلك المقومات أو المحفزات في الفصائل الوطنية.

ما يهمنا الآن هو نجاح تجربة “هيئة تحرير الشام” بقيادة زعيمها التاريخي المؤسس في استثمار كل التضحيات المحلية والظروف الدولية والصلابة العقدية والتنظيم المحكم وتوظيفها لإسقاط نظام الأسد. ومما لا شك فيه أنّ الهيئة هي من أتت من عمق الجهادية السلفية، وخاضت معاركها مع داعش والقاعدة وفصائل محلية وميليشيا الأسد وإيران، وانتصرَت في كل معاركها، وباتت الآن النواة الصلبة للسلطة السورية التي تشرف على إعادة بناء الدولة من الصفر.

عند الوصول (المفاجئ للكثيرين) إلى دمشق، لم يعد الأمر إدلب وتجربتها فيها، بل بقدر ما أثاره استلامها الحكم من فرحة غامرة بسقوط طغيان الأسد، ولكن بعد ما راحت السكرة وجاءت الفكرة، كان القلق والخوف يراود الكثيرين في داخل سوريا وخارجها.

من كان متابعاً لتجربة الهيئة في إدلب ومطّلعاً على تفاصيلها لم يساوره نفس القلق ممن لم يكونوا يتابعون ذلك. فقد اكتسبت الهيئة بعضاً من خبرة الحكم وتحمل أعباء قيادة المجتمع وتأمين ما يلزم له، إلى جانب الاستعداد العسكري والبنية العقدية الصلبة لمقاتليها بل وأنصارها.

كانت التصريحات والأفعال على الأرض تُبدّد رويداً رويداً كل الشكوك وتُزيل الهواجس، وكان الاحتضان العربي والدولي للعهد الجديد دليلاً على أن الرئيس الشرع تغيّر وغيّر معه نواته الصلبة التي لم تغيّر لباسها وخطابها فحسب، بل كان سلوكها العملي يدل على أن تجربة جديدة وفريدة لنموذج سوري إسلامي وطني هي التي تقود البلاد في ابتعادها عن كل أشكال الطائفية والعنصرية والخلافات الدينية ضمن السنة أنفسهم. وكانت معظم أحاديث الرئيس العلنية والخاصة تدل على أنه بصدد بناء سوريا أرضاً وشعباً وتأمين عيش كريم لكل أبنائها.

ما قاله الرئيس الشرع لوفد الإعلاميين العرب صحيح، وهم كانوا يدركونه دون أن يسمعوه منه. وآثر الرئيس أن يقوله صراحة وبكل وضوح ودون مواربة، حيث قال إنه لا يرى نفسه امتداداً لجماعة جهادية وصلت إلى السلطة، وأنه بعيد كل البعد عن مشروع الإخوان المسلمين (وتلك حقائق ملموسة على الأرض وليست إنشاءً). وأضاف أنّ همّه الشاغل ليس الأيديولوجيا التي تُفرّق ولا تجمع، وأنّ الشباب بحاجة لفرص عمل وبناء أسرة والعيش بكرامة، وليسوا بحاجة للمناكفات العقائدية ولا لداحس وغبراء لا تفتح مدرسة ولا تبني مشفى ولا تهدم خيمة لنازح.

وأشار الإعلاميون العرب إلى أنّ الرئيس السوري مهتم بالاقتصاد أولاً وأخيراً، وقد بدأ حربه بمعركة رفع العقوبات عن بلده ونجح فيها، وبدأت باكورة المشاريع الاقتصادية الكبرى ترى النور. وكان محور حديثه يدور حول التنمية والاستثمار والموانئ والرقمنة…

كانت خطوط الرئيس الحمراء الكبرى هي عدم المساس بوحدة سوريا وعدم وجود سلاح خارج الدولة، وتلك ثوابت وطنية لا مكان للأيديولوجيا فيها.

إنّ الاهتمام بالهوية العربية الإسلامية لسوريا ومحاولة ترسيخها، واعتبار أنّ الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع ضمن الإعلان الدستوري، مع اعتبار ديانة الرئيس هي الإسلام، وانتشار مظاهر التدين الطبيعي في الفضاء العام دون قسر أو إكراه واحترام خصوصية الأديان والمذاهب الأخرى، كل ذلك طبيعي وليس أيدولوجيا. ولن تجد الأخيرة طريقاً إلى سوريا الجديدة، لأنها تُفرّق ولا تجمع، وقد فشلت تاريخياً كل الدول الأيديولوجية، وآخرها الاتحاد السوفييتي وجمهورية ولاية الفقيه.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني