
في ظهيرة يوم الأربعاء، السادس عشر من تموز/يوليو 2025، اخترقت أصوات الانفجارات الصاخبة سماء العاصمة السورية دمشق، وتحديداً في ساحة الأمويين، حيث استهدفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي مبنى قيادة الأركان في واحدة من أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان. كانت الضربة الثالثة، عند الساعة الثالثة والربع عصراً، الأكثر فتكاً، لتكتب فصلاً جديداً من فصول الانتهاكات المتكررة التي تفتك بالمدنيين السوريين في وضح النهار، دون محاسبة أو رادع قانوني.
الضربة: توقيت مدروس في قلب العاصمة:
بدأت أولى الهجمات عند الساعة 12:30 ظهراً بطائرة يُرجح أنها مسيّرة، دون تسجيل إصابات مباشرة. لكن بعد أقل من ثلاث ساعات، عادت طائرات الاحتلال الحربية لتنفيذ ثلاث غارات متتالية على المبنى ذاته، لتكون الغارة الثالثة هي الأخطر، حيث أسفرت عن مقتل ثلاثة مدنيين، من بينهم السيدة أريج أيمن الراعي، وإصابة 34 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، إضافة إلى تدمير واسع للمبنى المستهدف.
ولم تتوقف الغارات عند هذا الحد، بل امتدت لتطال محيط قصر الشعب بغارة رابعة، لم ترد عنها معلومات مؤكدة بعد بشأن حجم الخسائر أو الإصابات.
الضحايا: دماء في الواجهة العسكرية:
رغم أن الهدف الظاهر للهجوم كان موقعاً عسكرياً، إلا أن الكلفة البشرية كانت مدنية بامتياز. فالضحايا الثلاثة جميعهم من المدنيين، وبينهم امرأة، فيما توزعت إصابات الجرحى بين الكسور والحروق والصدمات النفسية، وهو ما يُعيد طرح سؤال محوري: كيف يمكن اعتبار الضربة “دقيقة” إذا سقط ضحايا أبرياء في وضح النهار وسط العاصمة؟
تصعيد ممنهج: جنوب سوريا تحت النار:
لم يكن ما جرى في دمشق حدثاً معزولاً، بل جاء ضمن سلسلة غارات جوية شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي على مدار ثلاثة أيام (15–17 تموز/يوليو) في محافظات السويداء ودرعا وريف دمشق، مستهدفة أرتالاً تابعة لقوى الأمن الداخلي وعناصر وزارة الدفاع التابعة للحكومة السورية الانتقالية، مما أسفر عن وقوع قتلى وجرحى لم يتم الإعلان عن تفاصيلهم بعد.
الإطار القانوني: انتهاكات فاضحة ومساءلة غائبة:
استناداً إلى المعايير القانونية الدولية، تُعد الضربة الجوية الإسرائيلية:
● انتهاكاً صريحاً للمادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر استخدام القوة ضد سيادة الدول.
● غير مبررة قانونياً، لعدم وجود إخطار رسمي لمجلس الأمن أو دليل على تهديد وشيك، ما يُسقط حجة الدفاع المشروع عن النفس.
● مخالفة لمبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، وفق المادة (48) من البروتوكول الأول لاتفاقيات جنيف.
● خرقاً لمبدأ التناسب في حال ثبت أن الخسائر المدنية فاقت القيمة العسكرية المتوقعة.
● إهمالاً واضحاً للتدابير الاحترازية التي يوجبها القانون الدولي للحد من الأذى المدني.
النداء الإنساني: دم سوري بلا حماية:
إن الصمت الدولي المتكرر أمام هذا النمط من الاعتداءات يُعد انتكاسة للمنظومة الحقوقية العالمية، ويضرب بمبدأ سيادة القانون الدولي عرض الحائط. استمرار هذا النهج من دون محاسبة يشجع على مزيد من التصعيد، ويفتح الباب واسعاً أمام عسكرة العلاقات الدولية على حساب الأمن الإنساني.
التوصيات: مناشدة عاجلة للضمير الدولي:
إلى مجلس الأمن الدولي:
● فرض مساءلة قانونية على إسرائيل لخرقها سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة.
● مطالبة الدول الأعضاء بتقديم مبررات قانونية لأي عمل عسكري خارج الحدود، وفق المادة (51).
● إعادة الاعتبار لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة في حظر استخدام القوة.
إلى الحكومة السورية الانتقالية:
● البدء بعملية توثيق شاملة للانتهاكات، وتقديم مذكرات قانونية مفصلة إلى الهيئات الأممية.
● المطالبة العلنية بالتعويضات المادية والإنسانية عن الأضرار التي لحقت بالمدنيين والبنية التحتية.
إلى المفوضية السامية والمقررين الأمميين:
● إدراج هذه الانتهاكات ضمن التقارير الدورية، والتوصية بفتح مسارات للمساءلة والتعويض.
● مطالبة إسرائيل بالتعاون الكامل مع الآليات الأممية وتقديم مبررات قانونية لعملياتها العسكرية.
إلى المنظمات الحقوقية الدولية والإقليمية:
● توسيع نطاق التوثيق والتحقيق، وتطوير قواعد بيانات تدعم آليات المحاسبة.
● دعم المبادرات القانونية لحماية المدنيين وتعزيز مبدأ عدم استخدام القوة.
● تعزيز التنسيق مع المنظمات السورية لإعداد ملفات قانونية تُستخدم لاحقاً أمام المحاكم الدولية.
عندما تصبح السماء فخاً مفتوحاً للموت:
دمشق، المدينة التي أنهكتها الحرب وتوق المدنيين فيها للهدوء، عادت لتكون مسرحاً لمشاهد الدمار والدماء. أن تُستهدف الأحياء المدنية باسم “أهداف عسكرية”، هو تبرير فارغ أمام مشهد أم تحتضن جثة ابنتها، أو أب ينقذ طفله من بين الأنقاض.
لا يكفي أن نرصد ونوثق، المطلوب أن نصرخ بصوت القانون، ونحشد لأجل العدالة، ونضع العالم أمام مسؤوليته: حماية الإنسان قبل المصالح.