
خريف العمائم
بذات الهدوء الذي يطوي به أوراق الأضابير المنسية وبينما كان يغلي إبريق الشاي على سخانته الصغيرة في تلك الغرفة التي تفوح برائحة الورق القديم جلس أبو أحمد يتابع الأخبار عبر شاشة هاتفه المتصدعة. هذا الرجل الذي يحرس أرشيفاً كاملاً براتبٍ لا يشتري “الفتات” ينظر إلى العالم بعين المجرب الذي لم تعد تخدعه الشعارات.
تنهد أبو أحمد ومسح نظارته الطبية وبدأ يرسم في ذهنه ملامح الحكاية التي يراها تقع خلف غبار الانفجارات في إيران. تذكر مرارة السنوات العجاف التي تجرعها السوريون تذكر كيف استباحت عمائم طهران بيوتنا وأحلامنا وكيف تحول الجار إلى عدو بفضل شحن الطائفية الذي صدّروه إلينا. كان يتأمل صور القتلى والجرحى في مخيلته ويشعر بغصة لأن الولي الفقيه الذي ادعى العصمة والقداسة لم يكن في نظر أبو أحمد سوى مهندس للخراب ورأس حربة في مشروعٍ جعل من دمشق مجرد ضاحية من ضواحي نفوذه.
اليوم وهو يرى المعصوم المزعوم يتهاوى في ساعة واحدة لم يشعر أبو أحمد بالشماتة كفعلٍ مجرد بل شعر بـ عدالة مؤجلة بدأت تتحقق. تلك الخدعة الكبرى التي سُوّقت للعالم على أنها قوة إلهية لا تُقهر سقطت تحت أقدام الحقيقة التقنية والسياسية. لأول مرة منذ عقد يبتسم أبو أحمد من قلبه ليس حباً في الحرب لأن البعبع الذي أذاقنا الويلات أوهنُ في الحقيقة من خيط العنكبوت.
هشاشة “البعبع” وسقوط الرؤوس
يقول أبو أحمد لنفسه: منذ عام 1979 وهم يصورون لنا أن إيران هي القوة التي لا تُقهر والبعبع الذي سيبتلع المنطقة. لكن ما جرى في الساعة الأولى من الضربة كشف المستور. فجأة وبلمح البصر تهاوى الجهاز العصبي للنظام. مراكز القيادة الرادارات والقيادات الكبرى وعلى رأسهم الخامنئي أغلبهم سقطوا في لحظة واحدة.
بالنسبة لأبو أحمد الذي يعرف كيف تنهار الملفات القديمة إذا تآكلت جدران الخزانة كانت الضربة دليلاً على أن النظام الإيراني متخلف تقنياً وهشّ من الداخل. الصورة التي رسمتها إيران لنفسها كقائدة للمقاومة تبخرت وظهرت الحقيقة دولة تعيش على الدعاية أكثر مما تعيش على القوة الفعلية.
لماذا الخليج؟.. محاولة اليائس
تساءل أبو أحمد: لماذا يرسلون طائراتهم وصواريخهم باتجاه دول الخليج؟ هل هي الشجاعة؟ ثم أجاب بابتسامة مريرة لا إنها الحيلة الأخيرة. إيران تحاول تعمية الرادارات الأمريكية ومنظومات الإنذار المبكر المنتشرة في قطر والمنطقة. هم يعرفون أن صواريخهم الباليستية لن تصل إلى أهدافها إذا بقيت عيون أمريكا مفتوحة فيحاولون ضرب الرادارات لخلط الأوراق وتهديد عصب الطاقة العالمي لجعل الصراع إقليمياً لعلهم يجدون مخرجاً من خناق واشنطن وتل أبيب.
التدمير أم إعادة الإنتاج
هنا يتوقف أبو أحمد عن التفكير السطحي ويغوص في عمق الملف. بصفته حارساً للأرشيف يعرف أن القوى الكبرى لا تدمر شيئاً إلا لتعيد بناءه بما يناسب مصلحتها.
يرى أبو أحمد أن الهدف الحقيقي لأمريكا (خاصة في عهد ترامب) ليس مجرد تحطيم المفاعلات النووية أو الصواريخ بل هو إعادة إنتاج النظام الإيراني. أمريكا لا تريد فراغاً في المنطقة بل تريد إيران تابعة ومنضبطة تسير وفق الاستراتيجية الأمريكية
الخطة ليست مسح إيران من الخريطة بل تحويلها من عدو متمرد ومزعج إلى وكيل مطيع أو شرطي في المنطقة ينفذ ما يُطلب منه مقابل البقاء. هي عملية تبديل رؤوس وإعادة هيكلة للنظام ليصبح حلقة في سلسلة المصالح الأمريكية الكبرى تماماً كما يتم استبدال موظف قديم بآخر ينفذ الأوامر دون مناقشة.
الخاتمة:
وضع أبو أحمد كأسه الفارغ ونظر إلى أكوام الأوراق حوله. لقد أدرك أن العالم مثل أرشيفه تماماً قد تشتعل فيه النيران لكن القوي هو من يقرر أي الأوراق تحترق وأي الأوراق يُعاد ترتيبها في ملف جديد.
بينما يترقب العالم سقوط النظام يرى أبو أحمد ولادة نظام إيراني جديد بملامح أمريكية في لعبة كبرى لا يدفع ثمنها إلا من يصدق الشعارات قبل أن يقرأ ما بين السطور.