
حِشْريّ…!!
يلطم جنبيه.. يصفّق.. يفرك يديه.. ينطّ.. يهرول في مكانه.. يتأوّه.. يلعن البرد.. الدنيا ثلج.. صقيع لم نستطع متابعة اللعب.. الجميع احمرت وجوههم.. بعضهم سالت مياه أنوفهم دون أن يدروا.. لم يبقَ أحد… عادوا إلى بيوتهم. أمي، أرجوك أشعلي المدفأة.. مازال لدينا لتر مازوت.. دعينا نتدفأ…
– هذا ليستر وجهنا إذا ما جاءنا ضيف
– يعني سنبقى دون تدفئة؟
– نعم، اخلع حذاءك واختبئ بين أختيك تحت البطانية
دس نفسه بينهما، شعر ببعض الدفء.. بدأ يتحرك ويتشاقى.. أزعجهن بحركاته.. اهدأ وإلّا… نكزهما.. أخرجتاه طريداً.. علا صوته يهددهما، ويستنجد بأمّه.. ابنتاك طردتاني بعيداً وأنا أرتجف وتصطك أسناني.. البيت زمهرير.. لا أستطيع الوقوف وهما تضحكان.. دعيهما ترجعاني. سمعتْهما.. عفريت شقي.. إنه لا يطاق…
لحق بها إلى المطبخ، أكاد أموت…، ضحكت.. تلمّست وجنته.. عيب… أنت شاب… هنا في بيت بين جدران ولها سقف.. فكيف يعيش الأولاد في المخيمات؟ تخيّل أنك واحد منهم فماذا تفعل؟ دعني الآن.. اذهب وضع نفسك تحت بطانيتي وكفّ عن الثرثرة…
وجدها فرصة لمماحكة أختيه.. لفّ نفسه جيداً.. أبقى رأسه خارجاً.. أظهر يده.. يحرك أصابعه بإشارات تغيظهما.. يمدّ لسانه.. يغمزهما.. يحرك أنفه وشفتيه.. وبالتتابع يفتح عيناً ويغمض الأخرى حتى جاءت والدته.. استكان بمحاذاتها.. التصق بها.. ارتاحت أختاه من شقاوته.. سألها: ماما، كلّ رفاقي من أبناء المغتربين لا يشعرون بالبرد.. لديهم مازوت ويتدفؤون، آباؤهم يرسلون لهم دولارات، لماذا أبي لا يرسل لك لتشتري لنا مثلهم؟ أليس المغتربون أغنياء؟
– نعم، ليسوا جميعاً…، هناك من يتعب ليجد عملاً وبأقل أجر
– ووالدي…؟
– أبوك لو كانت حاله جيدة لن يقصر… ولابتعنا كلّ ما نحتاجه، لا تقارن نفسك بالآخرين، عندما يمنّ الرّبّ عليه سنشتري ما نريد وحضنته.
تسرّبت إليه حرارة جسدها.. توقّف عن الثرثرة.. سكنت حركته.. هدأت أنفاسه.. غزا النعاس عينيه.. دغدغ رموشه فتهامست، وتعانقت الجفون… وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة…