
حين يصبح الصمت ضرورة.. دير الزور بوصفها مرآة الإرهاق السوري
قراءة في الإرهاق المزدوج وتفكك البُنى المجتمعية في دير الزور وسوريا
الإرهاق المزدوج بوصفه مفتاح الفهم
يكشف مسار الصراع السوري أن الصمت الذي يخيّم على المشهد العام ليس ناتجاً عن خضوع أو رضا، بل هو نتاج مركّب لما يمكن تسميته بـ الإرهاق المزدوج: إرهاق ثوري أصاب الفاعلين الأوائل نتيجة القمع، وتحولات السيطرة، وتفكك الأطر التنظيمية للثورة؛ وإرهاق مجتمعي أعمق طال العائلات والقبائل والروابط التقليدية بفعل التهجير، والصدمات المتلاحقة، وانهيار البنى الاجتماعية.
إن تراكب هذين المستويين من الإنهاك جعل إعادة إنتاج الفعل الاحتجاجي أمراً بالغ الصعوبة، رغم استمرار المظالم بأشكالها المختلفة.
أولاً: من الثورة إلى تعدد سلطات القمع مسار الإرهاق الثوري
شهدت دير الزور بين عامي 2011 و2024 مساراً متسارعاً قلّ نظيره في سوريا، تعاقبت خلاله ست مراحل متتالية أسهمت في تشكيل بنية الإرهاق الثوري:
• مرحلة الثورة الأولى (2011–2013): أدّت المظاهرات الواسعة وما رافقها من قمع عنيف إلى إنهاك النشطاء وانكسار البنى المدنية الوليدة.
• تحولات السيطرة (2013–2014): أسهم الانتقال بين فاعلين عسكريين متضادين في خلق فراغ قيادي وتعميق انعدام الثقة.
• حكم تنظيم الدولة (2014–2017): فُرض نموذج سلطوي شديد العنف خلّف صدمة جماعية عميقة.
• الحرب على التنظيم (2017–2019): شهدت المنطقة مستويات غير مسبوقة من الدمار، دمّرت المجال العام وأضعفت الروابط الأهلية.
• مرحلة الإدارة الذاتية: ولّدت سياسات التجنيد والاعتقالات، وفرض بطاقة الوافد إلى جانب تشكّل اقتصاد نفطي خاص، توترات مجتمعية مستمرة.
• عودة النظام إلى الضفة الغربية: ترافقت مع اقتصاد حرب وانتشار واسع للميليشيات، ما أعاد إنتاج الشعور العام بانعدام الأمان.
هذا التتابع الضاغط أدخل الفاعلين الثوريين في حالة إنهاك تاريخي تراكمي، حيث بات سقوط كل سلطة أو فراغ سياسي يُستبدل بنمط سلطوي أكثر انغلاقاً، الأمر الذي عمّق الإحساس بانعدام الجدوى.
ثانياً: تفكك البُنى الاجتماعية من قبيلة متماسكة إلى جماعة ممزقة
بالتوازي مع الإرهاق الثوري، شهدت دير الزور عملية تفكك مجتمعي طاولت أهم ركائز البناء الاجتماعي التقليدي، تمثّلت في:
• التهجير الجماعي خلال المعارك.
• سيطرة جماعات مسلحة غير محلية.
• الاعتقالات الواسعة المرتبطة بتنظيم الدولة.
• تفكك الأسرة الممتدة بين السجون والمخيمات والهجرة الخارجية والنزوح الداخلي.
أدّى ذلك إلى ما يصفه علم الاجتماع بـ تفكك الجماعات الأولية: العائلة، والقبيلة، والحارة.
لم تعد المشكلة مقتصرة على فقدان بيت أو حيّ، بل أصبحت انهياراً لمنظومة اجتماعية كاملة؛ قبائل بلا أرض، بيوت بلا أهل، ونهر بلا ذاكرة مشتركة.
ثالثاً: لماذا صمت الناس؟ من الخوف إلى العجز البنيوي
لا يمكن فهم الصمت بوصفه تعبيراً عن خضوع، بل بوصفه نتيجة مركّبة لخمسة عوامل مترابطة:
• استنزاف نفسي ممتد بفعل العنف والتهجير وفقدان الأمان.
• انهيار المجال العام نتيجة تعدد القوى المسلحة.
• غياب القيادة المجتمعية بعد هجرة أو اعتقال النشطاء.
• فقدان الإيمان بالجدوى بسبب تكرار السيناريو ذاته: سقوط سلطة يعقبه ظهور أخرى.
• اقتصاد البقاء، حيث ينشغل الأفراد بتأمين الحد الأدنى من العيش.
أسهم تراكم هذه العوامل في إعادة تشكيل السلوك السياسي والاجتماعي، بحيث غدا الصمت، في كثير من الأحيان، الخيار الوحيد الممكن للاستمرار.
دير الزور بوصفها مرآة سوريا
تختصر دير الزور مسار سوريا الأوسع: ثورة، قمع، تعدد سلطات، تهجير، وصدمات تراكمية.
ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً. فطفل يولد كل يوم على ضفة الفرات لم يعرف سطوة النظام الأسدي ولا تنظيم الدولة، ولا البراميل، ولا أنماط المنع والقمع سيعيد طرح سؤال الغد: لماذا صمتوا؟
وسيأتي الجواب:
لم يكن الصمت خنوعاً، بل استراتيجية بقاء، ومحاولة لحماية ما تبقّى من الروح في زمن استنزف كل شيء.