جذور…

0

الجنوب آمن – قيل له – وأهله شجعان وكرماء فقرر النزوح وأسرته إليهم. وقف والحيرة تتلاعب به.. نظر إلى حطام بيته المتناثرة وتأوّه.. وترقرقت دموع في عينيه وهو يودّع الأقارب آملاً أن يعود يوماً…

وصل أبو خلف مقصده وراح يسأل عن مأوى. التقاه شاب، رحّب به، ومدّ يده مصافحاً.. تعالَ أدلك ومشى قدامه إلى دار أمامها فسحة فيها شجرة توت.. وقال: أهلاً وسهلاً.. أنتم هنا بين أهلكم.. نحن أخوة، وهذا البيت يسعنا جميعاً.. لكم شطره. وعلى صوته خرجت زوجه وولداه مرحبين ومهللين… فشعرت أم خلف بالأمان.. واسترجعت الموقف الرهيب الذي أفقدها فلذة كبدها عندما سمعتها تهدر في السماء.. صرخت مذعورة.. يا رب تلطف.. إنها تنذر بخطر عظيم.. فاحتضنت صغيرتيها متوجّسة واختبأت في زاوية المطبخ وهي تدعو أن يبعد سمّها عن زوجها وولدها في الحقل القريب… التقطت أذنها أزّ قذيفة صطدمت البيت وهزّته فتداعى، وسادت ظلمة، وشمّت رائحة زكمت أنفها. خالت نفسها في كهف، وتلمّست ابنتيها متسائلة هل تشعران بألم؟ أجابتها الصغرى متلعثمة بكلمات متقطعة: عَرَقٌ دافئ يتسرب تحت ثيابي. فنادت فزعة أنقذونا…، تسارعت الأيدي لرفع الأنقاض، ونبش الركام حتى وصلت إليهن وانتشلتهن أحياء…، وكيف انتزع أبو خلف البنت النازفة من يدها وهو يشكر للجميع غيرتهم، وأسرع وهي خلفه إلى المستوصف ليضمد جراح صغيرته التي زفرت آخر أنفاسها، وصعدت روحها إلى خالقها وهي بين يديه قبل أن يصل بغيته…

عاشوا معاً، وعملوا في الأرض، وتقاسموا غلالها. التحق الأطفال بالمدارس. خلف وسعيد في الأول الإعدادي. نوره ومحمد في الخامس الابتدائي.. يذهبون ويعودون سوية، ويحضّرون الدروس، ويلعبون مع أقرانهم سعداء…

ظهرت علائم الإرهاق على أبي خلف، فراجع المستشفى، وبعد الفحوصات والصور الشعاعية قال الطبيب: يا أبا سعيد، أخوك يشكو من مرض استفحل… لقد تأخر في العلاج، وأيامه معدودات، وبعد شهرين ارتقت روحه إلى بارئها. ولم يُسمح لأم خلف بالمغادرة، وتابعوا العيش عائلة متحابة…

شبّ الأولاد عن الطوق، وتخرّج الكبيران في كلية الهندسة، أمّا الصغيران ففي كلية الآداب، واحتفلوا بالمناسبة السعيدة. وضعت أم خلف يديها على رأسي محمد ونورة.. متى سنفرح بكما؟ ضحكا.. وقبّلا يديها.. وردّ محمد: أنسيتِ يا خالة! نورة أختي.. تربينا معاً، وقد اختارت صديقنا حسن رفيق درب لها.. إنّي أباركهما، وأرجو أن تمنحيهما مباركتك.

كلمات الأم شحذت خيال خلف. تذكّر “زوينة” ابنة عمّه وهي تقبل عصفورة جذلى.. جدائلها تتراقص على صدرها، وبسمتها إشراقة شمس. فكّر كيف أصبحت، وهل تحلم به؟ أهي حية أم اغتالتها رصاصة همجية؟ وقرر البحث عنها.. لقد انقشعت غيوم الماضي بعد التغيرات الجديدة، وسافر عائداً إلى ديار فارقها مكرهاً…

استقبلوه بالترحاب فرحين بعودته. وجد حلمه أجمل مما تخيّله، فما زالت “زوينة” تحفظ كلمات عمّها “أنت عروس خلف”. وعدها أنه سيعود خاطباً. قالت: هل ستعيد بناء ما تهدم أولاً؟

– لا، هناك لي أسرة، سنسكن معها حيث تربّينا، وتعلّمنا، وتقاسمنا اللقمة الواحدة…

– وأرضك…؟

– لا أرض لي هنا، إنها هدية لوالدك

وبعد شهر أقيم للعروسين عرسٌ كبيرٌ حضره الأهل والأصدقاء، واشتبكت أيدي الشمال والجنوب في حلقة رقص رائعة…

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني