
ثلاثة مكاتب.. وثلاثة أوطان
في أحد أروقة المؤسسات العامة السورية حيث تختلط رائحة الورق القديم بعبق طموحات إعادة الإعمار تجلس ثلاث شخصيات تختصر حكاية الاقتصاد السوري في عام 2026. خلف المكتب الأول يجلس “أبو أحمد” الموظف الذي قضى ثلاثة عقود من عمره يحرس الأضابير والذاكرة المؤسساتية. راتبه اليوم وبعد كل سنوات الخدمة بالكاد يلامس حاجز الـ 1.5 مليون ليرة سورية (نحو 100 دولار).
على المقعد المقابل، يجلس زميله الشاب الذي التحق بالخدمة قبل عام واحد ضمن خطة “جذب الكوادر”. يتقاضى هذا الشاب راتباً يصل إلى 6 ملايين ليرة (نحو 400 دولار). أما في الطابق العلوي حيث المكاتب المجهزة بتقنيات حديثة فيعمل “المستشار” الذي يُعتبر من “النواة الصلبة” للإدارة براتب يتجاوز 15 مليون ليرة (أكثر من 1000 دولار).
حراس الأضابير برتبة متطوعين
هؤلاء هم الشريحة الأولى والذين لولا وجودهم لربما نسينا كيف يُكتب الرقم الترتيبي على المعاملات الورقية. هم “أبو أحمد” وأقرانه، الذين قرروا في لحظة وفاء نادرة أن يظلوا في مكاتبهم بينما كانت العملة المحلية تقرر الانتحار من أعلى قمة التضخم. يتقاضى الواحد منهم راتباً يعادل مائة دولار وهو مبلغ يثير حيرة علماء الرياضيات إذ كيف يمكن لهذا المبلغ أن يغطي ثمن المواصلات إلى العمل وفواتير الكهرباء “الاستثمارية”، ويبقى منه ما يكفي لشراء ربطة خبز؟
هؤلاء الموظفون تحولوا مع الوقت إلى ما يشبه “المتطوعين” فهم يدفعون للدولة من جيوبهم (أو من صحة أعصابهم) ثمن شرف الجلوس خلف مكاتب متهالكة. تكمن السخرية الحقيقية عندما يُطلب من أحدهم وهو الذي يزن خبرته بالسنوات لا بالدولارات أن يبتسم في وجه المراجعين بينما “حساب البقالة” المفتوح في حارته يطارده ككابوس لا ينتهي. إنهم لا يتقاضون راتباً بل يتقاضون “بدل صمود” رمزي وكأن الدولة تختبر قدرتهم على العيش عبر “التمثيل الضوئي” بدلاً من الغذاء.
اقتصادان في غرفة واحدة
مع مرحلة الإدارة الانتقالية ظهرت الشريحة الثانية كوادر عُينت بعقود لردم الفجوة التقنية. هؤلاء يتقاضون “دولار الواقع” وهو أجر يمنحهم القدرة على العيش ومواكبة الأسعار المتصاعدة.
لكن المشكلة ليست في كفاية دخلهم بل في “المفارقة” التي يخلقونها إذ يطلب النظام من الموظف “القديم” المنهك أن ينقل خبرته لزميله “الجديد” الذي يتقاضى أربعة أضعاف راتبه. هذه الفجوة تقتل روح الفريق وتحول المؤسسة إلى جزر منعزلة يسكنها الحقد الوظيفي بدلاً من التعاون.
النواة الصلبة: أرستقراطية الإدارة
في قمة الهرم تقبع الشريحة الثالثة تلك النواة التي تُبرر أجورها “الفلكية” بكونها عصب التغيير وضمانة الولاء وبغض النظر عن كفاءتهم فإن وجود هذه الفئة برواتب تتجاوز الألف دولار في بيئة يئن فيها البقية يخلق انطباعاً بأن السلطة الجديدة تبني “نخبة معزولة” تعيش في فقاعة اقتصادية بعيدة عن آلام الشارع. إن “أرستقراطية الوظيفة” هذه هي التي تضع الفواصل بين صانع القرار وبين الواقع الذي يُفترض أن يعالجه.
نحو ميثاق وطني للأجور
إن الحل لا يبدأ بزيادات مئوية طفيفة يبتلعها التضخم قبل صدورها بل بقرار شجاع يوحد “سلة الرواتب” السورية. نحن بحاجة إلى سلم رواتب موحد يعتمد على توصيف الوظيفة وكفاءة شاغلها لا على المرحلة السياسية التي عُين فيها.
إن سوريا اليوم لا تحتاج فقط إلى “عقول” تتقاضى بالدولار لترسم الخطط بل تحتاج قبل ذلك إلى “قلوب” تشعر بأن الدولة تقدر عرقها وتاريخها. الاستقرار الحقيقي يبدأ عندما يغادر “أبو أحمد ” مكتبه وهو يشعر أن كرامته في جيبه لا أن مستقبله قد سُرق لصالح “قادم جديد” أو “مستشار مدلل”. العدالة في الراتب هي أولى خطوات المصالحة الوطنية الكبرى.